من يريد أن يصلّي، فليصلِّ. ومن يريد أن يؤمن، فليؤمن. ومن يريد أن يختلف، فليختلف. ومن يريد أن يسكر، فليشرب.
لكن من يريد أن يضع جبيل أمام معادلة إمّا أن تفعلوا... وإمّا الحل الآخر، فعليه أولا أن يخبرنا: ما هو هذا الحل الآخر؟
سماحة الشيخ أحمد غسان اللقيس الصديق المحترم...
جبيل أرضا وسماء جردًا وساحلا التي تعرفك، وتعرف أهلها، لم تكن بحاجة يوما إلى من يعلّمها معنى العيش مع الآخر.
هذه المدينة الأثرية، لم نسأل المارة في شوارعها عن طائفتهم قبل أن نسلّم عليهم، ولم نفتّش في اسم الطالب قبل أن يدخل الجامعة، ولم نضع على أبوابنا أجهزة لقياس الإيمان، وكنَا ومازلنا نتميز بتعايشنا المشترك ونتغنى به ونتفاخر أمام جميع المدن والقرى اللبنانية.
هذه جبيل يا صديقي...
مدينة عاشت أديانًا وحضارات واحتلالات وحروبا، وبقيت أكبر من أن يحشرها أحد في زاروب مذهبي ضيق، أو يلبسها ثوب لا يشبه جمالها وأناقتها.
ولهذا تحديدا، كان مستغربا أن تتحول مسألة داخل حرم الجامعة اللبنانية الأميركية في جبيل إلى خطاب يُقال فيه، بحسب الكلام المتداول، إن مئات الطلاب المسلمين يريدون الصلاة، وإن لم تعالج إدارة الجامعة الموضوع فإن الناس ستلجأ إلى حل آخر.
أي حل آخر يا سماحة الشيخ؟ هذه ليست جملة عابرة في بلد كلبنان، وليست معاني بيضاء في سماء جبيل، الكلمات ليست حبرا فقط. فبعض الكلمات بارود وفي بلد دفع عشرات آلاف القتلى ثمن جملة طائفية تبعتها جملة، وحاجز تبعه حاجز، وشارع ردّ على شارع، لا يملك أحد ترف إطلاق عبارات تحتمل التهديد ثم ترك اللبنانيين يتساءلون عن المقصود.
من هي الناس؟ وماذا ستفعل؟
وهل أصبح الخلاف مع إدارة جامعة يحتاج إلى استنفار الناس؟
إذا كان هناك حق لطلاب مسلمين في ممارسة شعائرهم، فنحن أول من يدافع عنه، ليس منّةً من أحد. وليس لأنهم ثلاثمئة. حتى لو كان طالبا مسلما واحدا فقط، لا يجوز إهانة معتقده أو التمييز ضده بسبب دينه، وكذلك الطالب المسيحي والدرزي والشيعي والملحد وكل إنسان، فالحرية لا تُقاس بعدد أصحابها، لكن الدفاع عن حرية العبادة شيء، وتحويلها إلى استعراض أعداد وضغط طائفي شيء آخر تمامًا.
فالقول إن هناك 300 طالب مسلم يفتح بابا خطيرا: ماذا لو بدأ كل فريق في لبنان بعدّ طلابه؟ ثلاثمئة من هنا، مئتان من هناك، مئة وخمسون من طائفة ثالثة، ثم تبدأ المطالبة بمساحات وحصص وتمثيل ومواعيد، وبعدها نحتاج إلى مجلس طوائف داخل كل جامعة، وعندها لن يعود الطالب طالبا، بل سيصبح رقما في دفتر المذهب، وهنا تبدأ الكارثة اللبنانية الصغيرة التي نعرف أنا وأنت وجميعنا دعنا نقول نهايتها جيدًا.
نحن 18 طائفة معترفًا بها في لبنان. وإذا كان المطلوب تحويل المؤسسات التعليمية إلى امتداد للتقسيم الطائفي، فلنكتمل في عبثنا ونوزع القاعات وفق الجداول المذهبية ونكتب على الأبواب: هذه لهذه الطائفة، وتلك لتلك، ثم نتساءل بعد عشرين عاما لماذا لم نبنِ دولة.
الجامعة ليست كنيسة، وليست جامعا، وليست حسينية، وليست مقرا طائفيا، ولا حتى مركز إستجمام، الجامعة جامعة لبنان كلّه بجميع أطيافه، وهذا لا يعني منع الصلاة ولا يعني إلغاء الدين ولا يعني أن نطلب من المؤمن أن يترك إيمانه عند البوابة، بل يعني أن المؤسسة الأكاديمية يجب ألا تتحول إلى أرض تتنافس عليها الطوائف لتثبيت حضورها، بل يتنافس عليها أصحاب العلم لإبراز نجاحاتهم وصولا لتتويج تفوقهم.
فيمكن لأي جامعة محترمة أن تجد صيغة تحفظ حرية المعتقد للجميع، سواء بمساحة تأمل وصلاة مشتركة وفق أنظمتها، أو بترتيبات أخرى تحترم حقوق الطلاب، من دون أن تتحول كل مطالبة دينية إلى معركة هوية من دون تهديد الأهم.
سماحة الشيخ،
لبنان لم يخرب لأن اللبنانيين يصلّون كثيرا، خرب لأن السياسة دخلت إلى الصلاة، والطائفة دخلت إلى الوظيفة، والمذهب دخل إلى الجامعة، والزعيم دخل إلى القضاء، والمحاصصة دخلت إلى الإدارة، حتى لم يبقَ للدولة كرسي تجلس عليه.
فكلما أردنا بناء مؤسسة، سبقنا إليها سؤال واحد نحن كم لنا فيها؟
لم نسأل: من الأكفأ؟ سألنا: من أي طائفة؟
لم نسأل: كيف نبني جامعة أفضل؟ سألنا: أين حصتنا؟
لم نسأل: كيف نبني دولة؟ سألنا: أين نفوذ جماعتنا؟
وهكذا أصبح لبنان بلدا فيه الكثير من الطوائف والقليل جدا من الدولة.
قبل أكثر من قرنين، جاء الرحالة والمفكر الفرنسي "دو فولني" إلى هذه المنطقة وكتب عن مجتمعات الشرق، وعن الشائعة في لبنان كيف تنتشر ولماذا، وعن الدين حين يتحول من إيمان إلى هوية صدامية، وعن مجتمع لم ينجح بعد في بناء عقد سياسي يتجاوز انقساماته، ويخبرنا أن الله يُذكر في كل مكان في الشرق وفي كل حديث. ولكن هل يعني ذلك أنهم مؤمنون؟
وبالنسبة للمسيحيين إعلان الإيمان فعلُ تحدٍّ واستقلال، أما بالنسبة للمسلمين فهو فعلُ قوةٍ وتفوق.
قال الكثير وقد نختلف معه في أحكامه وبعض ما كتبه ابن عصره ونظرته الأوروبية إلى الشرق، ولا يجوز تحويله إلى كتاب مقدس جديد، لكن السؤال الذي تركه التاريخ أمامنا مخيف... هل تغيّرنا فعلًا؟
بعد أكثر من مئتي سنة، ما زلنا نقف أمام الجامعة والمدرسة والوظيفة والإدارة والقضاء والانتخابات ونحصي أنفسنا بالطوائف، وكأن الزمن دار دورة كاملة وعاد إلى النقطة نفسها، فنستطيع أن نقول لفولني اليوم:
تعال وانظر لقد بنينا ناطحات سحاب، وحملنا هواتف تختصر العالم في شاشة، وأرسلنا أبناؤنا إلى أعظم الجامعات، وتعلمنا الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والطب والهندسة لكننا عندما نختلف، نفتح الدرج القديم نفسه ونخرج منه الطائفة.
ما زلنا، في لحظة الخوف، نبحث عن بعضنا بعضا في دفاتر المذاهب، وهنا تكمن المأساة، فالإيمان ليس لحية طويلة، وليس أثر سجود على الجبين، وليس مسبحة، وليس صليبا معلّقًا على الصدر، وليس حضور قداس كل أحد أو صلاة كل جمعة،
هذه كلها مظاهر وشعائر يحترمها الإنسان المؤمن، لكن الإيمان الذي لا ينتج أخلاقًا ورحمةً واحتراما للآخر، يتحول إلى قشرة دينية جميلة تخفي تحتها كل أمراض المجتمع.
فالله لا يحتاج إلى استعراض قوتنا دفاعا عنه ولا يحتاج إلى تعدادنا ولا إلى أن نقول: نحن ثلاثمئة. فالإيمان الذي يحتاج إلى التهديد كي يثبت وجوده، يحتاج أولا إلى أن يسأل نفسه أين ضاعت الطمأنينة منه.
وجبيل تحديدًا ليست المكان الذي ينبغي اللعب فيه بهذه اللغة، قضاء جبيل ليس مختبرا لاختبار موازين القوى الطائفية،
هذه المنطقة صنعت عبر سنوات طويلة نموذجا حساسا ودقيقا من العيش المشترك فيها المسلم والمسيحي فيها الشيعي والماروني والسني والأرثوذكسي وغيرهم يعيشون معا ويعملون معا، ويتعلم أولادهم معا، يتاجرون معا، يختلفون سياسيا، ثم يلتقون في اليوم التالي على أرصفة الطريق لشرب القهوة والدردشة.
وهنا أسمح لنفسي بأن أقول على ما ذكرت أنك درست وتخرجت من مدرسة مسيحية وكان لك زملاء وأخوة كثر ومن جميع الطوائف وهم على ما أعتقد ليومنا هذا على صلة تواصل معك جيدة ويبادلونك المحبة والإحترام كونك إبن جبيل وصديق وأخ ومرجع ديني نفتخر به وأنا يا سماحة الصديق واحد منهم لهؤلاء...
هذه الصيغة ليست ضعفا، إنها ثروة لذلك لا نريد أحدا أن يحوّل مسألة إدارية في جامعة إلى قضية وجودية بين جماعات.
ولا نريد في المقابل أن تتجاهل إدارة جامعة حق أي طالب في كرامته الدينية إن ثبت أنها فعلت ذلك.
ولهذا أيضا على الجامعة ان تتكلم بوضوح، إذا كان الطلاب قد مُنعوا فعلًا من الصلاة بسبب دينهم، فلتشرح الجامعة لماذا، ولتصحح الأمر بما يحفظ نظامها وحرية طلابها، أما إذا كانت القضية تتعلق بطلب إنشاء أو تخصيص مصلّى دائم، فلتشرح ذلك أيضا.
الشفافية هنا تطفئ النار قبل أن يجد تجار الطوائف حطبهم، لكن حتى لو أخطأت الجامعة، تُراجع تُفاوض تُناقش تُقاضى إذا انتهكت حقا قانونيا، تُواجه بالحجة والقانون، لا بعبارة الحل الآخر. لأننا نعرف في لبنان ماذا يحدث عندما يبدأ كل طرف بالبحث عن حل آخر، فالدولة نفسها أصبحت قبرا لمئات الحلول الأخرى.
حضرة الشيخ،
السماحة ليست لقبًا يوضع قبل الاسم، السماحة مساحة، أن تتسع لمن يخالفك، أن تخفض حرارة الشارع حين ترتفع، أن تمنع المؤمنين من الانجرار إلى العصبية، لا أن تترك أمامهم عبارة قابلة لكل تفسير، رجل الدين يستطيع بكلمة أن يطفئ شارعا، ويستطيع بكلمة أخرى أن يجعل عشرات الهواتف تبدأ بتبادل الرسائل: «ماذا يقصد؟ ماذا سيحدث؟ من سيأتي؟
لهذا تكون مسؤولية الكلمة على المنبر أثقل من مسؤوليتها في المقهى، فإذا كان المقصود بـ«الحل الآخر» أمرا قانونيا أو إداريا أو قضائيا فليُقل ذلك صراحة، أما ترك العبارة مفتوحة، فلا يخدم الطلاب ولا الجامعة ولا المسلمين ولا المسيحيين ولا جبيل تحديداً.
نريد للطلاب المسلمين أن يصلّوا بكرامة ونريد للطلاب المسيحيين أن يصلّوا بكرامة، ونريد لمن لا يريد الصلاة أن يعيش بكرامة أيضا، لكننا لا نريد أن يدخل أبناؤنا الجامعة مسلمين ومسيحيين ويخرجوا منها أكثر طائفية مما دخلوا.
نريدهم أن يدخلوا حاملين أسماء عائلاتهم، ويخرجوا حاملين شهاداتهم، وأن يتنافسوا على العلم لا على مساحة المصلّى والكنيسة.
أن يتنافسوا على المختبر لا على المذهب
أن يتنافسوا على البحث لا على العدد
أن يتنافسوا على المستقبل، لا على خرائط الماضي
هذه هي المعركة التي تستحق أن نخوضها. فجبيل ليست ضد الصلاة، جبيل تعرف الصلاة قبل أن يولد كثيرون ممن يتحدثون اليوم باسم الدين، أجراسها تعرف مآذنها، ومآذنها تعرف أجراسها، لكن جبيل تعرف أيضا شيئا آخر، أن السلام الذي بُني على مدى عقود يمكن أن تخدشه جملة واحدة غير محسوبة.
لذلك، صلّوا
آمنوا ارفعوا دعاءكم إلى السماء، واحترموا اختلاف بعضكم، لكن أبقوا الجامعات خارج لعبة تسجيل النقاط بين الطوائف.
ولا تضعوا جبيل أمام خيارات مبهمة، ولا تعدّوا أبناءها وفق مذاهبهم، فنحن لا نخاف من مصلّى، ولا من جامع، ولا من كنيسة، نحن نخاف من العقل الذي يبدأ بمصلّى وينتهي بسؤال: من الأقوى هنا؟
وتلك تحديدا هي الحفرة التي وقع فيها لبنان مرارا.
جبيل لا تحتاج إلى "حل آخر" تحتاج إلى شيء واحد افتقده لبنان طويلا دولة واحدة، قانون واحد، جامعة للعلم، وحرية للجميع.
أما الله... فاتركوه خارج معارك النفوذ الصغيرة، فهو أكبر من طوائفنا جميعا، وجبيل أكبر من أن يهدد سلامها أحد لا من قريب ولا من بعيد.