بدأت الحرب الروسية - الأوكرانية تدخل مرحلة دبلوماسية مختلفة، وإن كان من المبكر الحديث عن اختراق حاسم. فبعد أشهر من الجمود، ظهرت مؤشرات متزامنة من واشنطن وموسكو وكييف توحي بأن مسار التفاوض الثلاثي قد يعود إلى الواجهة، مستفيدًا من نافذة زمنية ضيّقة تسبق الشتاء، ومن رغبة أميركية واضحة في منع جولة جديدة من التصعيد الواسع.
تبدو زيارة المبعوثَين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى موسكو ثمّ كييف، في هذا السياق، أكثر من جولة استطلاعية. وتحدّث يتكوف عن "تقدّم جوهري" وعن تقدّم نحو تحديد موعد لمحادثات ثلاثية جديدة، فيما نقل المبعوثان إلى الجانب الأوكراني أن الروس مستعدّون للتفاوض. والأهمّ أن الكرملين نفسه لم يستبعد العودة إلى صيغة تضمّ أميركا وروسيا وأوكرانيا، وإن امتنع عن تحديد موعد أو مكان، في وقت أعلنت فيه كييف استعدادها للمرحلة المقبلة من المفاوضات.
ترتكز المقاربة الأميركية الجديدة على مسارين متوازيين: إعادة تفعيل المفاوضات السياسية، ومحاولة بناء تفاهمات محدودة تخفّف حدّة المواجهة خلال الشتاء. ووفقًا للرئيس الأوكراني زيلينسكي، طُرحت أفكار تتّصل بمنشآت الطاقة والكهرباء، وشحنات الحبوب، وصادرات النفط والغاز، بما قد يفتح الباب أمام صيغة من "خفض التصعيد المتبادل"، من دون أن ترقى بالضرورة إلى وقف شامل لإطلاق النار. الهدف الأميركي، وفق هذا المنطق، هو منع الشتاء من التحوّل مجدّدًا إلى أداة حرب تستخدمها موسكو للضغط على كييف عبر ضرب البنية التحتية، وفي الوقت نفسه خلق مناخ يسمح بإعادة بناء الحدّ الأدنى من الثقة السياسية.
وقد ظهرت إشارة ميدانية محدودة أخيرًا إلى إمكان اختبار هذا النهج، مع إعلان الرئيس بوتين وقف الضربات على كييف ثلاثة أيام، وإعلان زيلينسكي وقف الهجمات على موسكو خلال الفترة نفسها، رغم استمرار القتال في جبهات أخرى. لا تُمثّل هذه الخطوات هدنة فعلية، لكنّها تكتسب دلالة، ولو رمزية، لأنّها تزامنت مع التحرّك الدبلوماسي الأميركي الجديد.
غير أن الطريق إلى تسوية لا يزال بعيدًا. فقد فشلت محاولات سابقة لوقف الضربات على منشآت الطاقة، كما أن جوهر الخلاف لم يتغيّر، خصوصًا حول الأراضي الأوكرانية التي تطالب موسكو بضمّها. كذلك، لا يزال زيلينسكي يشكّك في استعداد روسيا الحقيقي للتنازل، مستندًا إلى استمرار العمليات العسكرية، فيما تصرّ كييف على ضمانات أمنية ودعم اقتصادي وعسكري يبقيها في موقع تفاوضي قوي.
ويحضر العامل السياسي الأميركي أيضًا بقوّة. يعتقد زيلينسكي أن بوتين لا يريد الاصطدام بالرئيس ترامب قبل الانتخابات النصفية، وأن واشنطن تملك هامشًا للضغط عليه. ومن هنا، يبدو أن أيلول وتشرين الأوّل قد يشكّلان الفترة الأكثر ملاءمة لمحاولة إعادة إطلاق المسار، مع طرح الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك بوصفها ساحة محتملة لمزيد من الاتصالات، وإمكان عقد جلسة ثلاثية جديدة إذا نضجت الظروف.
المشهد، إذًا، لا يوحي بأن السلام أصبح قريبًا، لكنّه يشير إلى انتقال من جمود كامل إلى محاولة منظّمة لإدارة الحرب دبلوماسيًا. النجاح الأوّل، إن تحقّق، لن يكون اتفاقًا نهائيًّا، بل تثبيت مسار تفاوضي ومنع الشتاء من تفجير مواجهة أشدّ. ومن هناك فقط يمكن اختبار ما إذا كانت موسكو وكييف مستعدّتين فعلًا للانتقال من إدارة الحرب إلى التفاوض على نهايتها.
في الأثناء، لا يزال الكباش قائمًا بين روسيا والغرب، دبلوماسيًا وعسكريًا، مع قرار موسكو إغلاق القنصلية الألمانية في سان بطرسبورغ ردًا على إجراءات برلين الأخيرة، بالتوازي مع انتقادها نشر منظومة صاروخية أميركية متطوّرة في النروج. وترى موسكو أن هذه الخطوات تهدّد أمنها وتنسف فرص الحوار مع واشنطن.