جاد حداد

News of the World... مميّز على جميع المستويات

4 دقائق للقراءة

ثمة اهتمام فائق بالتفاصيل في جميع زوايا فيلم News of the World (أخبار العالم). من الممتع أن نرافق هذا الفريق الموهوب في مغامرته طوال ساعتين من الوقت ونسمح له بسرد قصة مثيرة للاهتمام. يقدّم جميع المشاركين في هذا العمل أفضل أداء ممكن، بدءاً من الممثلين المحيطين ببطلَي القصة وصولاً إلى الطاقم العامل وراء الكاميرا، ويسهل أن نشعر بتميّز الفيلم منذ بدايته وحتى نهايته.

يجتمع توم هانكس مجدداً مع بول غرينغراس، مخرج عمله السابق Captain Phillips، ويقدم شخصية مختلفة جداً هذه المرة بدور "جيفرسون كايل كيد"، وهو رجل متجوّل في تكساس في العام 1870، بعد فترة غير طويلة من انتهاء الحرب الأهلية. "كيد" هو قارئ أخبار يسافر من بلدة إلى أخرى ويتلقى راتباً لقراءة الأخبار أمام السكان المحليين. لم تكن خدمة التوصيل إلى المنازل شائعة منذ 150 سنة، حتى أن عدداً كبيراً من السكان في البلدات الصغيرة لم يكن يجيد القراءة، لذا كان الناس يتكلون على أشخاص مثل "كيد" لإخبارهم بأحداث العالم. حوّلته هذه المهنة التي اختارها إلى مسافر معزول، لكنها رسّخت في داخله حساً إنسانياً عميقاً وأعطته شخصية مشابهة للحكواتي التقليدي. يقدّم "كيد" عرضاً ترفيهياً بقدر ما ينشر الأخبار ويختار المواد التي يريد قراءتها وطريقة تقديمها بنفسه. تعني رحلاته ولقاءاته أيضاً أنه يستطيع قراءة الناس أكثر من غيره، وسيكون هذا العامل أساسياً خلال المرحلة اللاحقة من حياته.





تبدأ هذه المرحلة حين يصل "كيد" إلى ساحة جريمة، فهو يجد سائقاً أسود مشنوقاً على شجرة وتنظر إليه فتاة شقراء في الغابة المجاورة. فيقرر "كيد" أن يصطحب الفتاة التي سمّاها "جوهانا" (هيلينا زنغل بأداء ممتاز) إلى مكان آمن، مع أنها لا تجيد اللغة الإنكليزية ويبدو أنها أمضت معظم طفولتها وهي أسيرة لدى الأميركيين الأصليين. تنحدر هذه الفتاة من سلالة ألمانية لكنها تتكلم لغة قبيلة "كيوا" وكان يُفترض أن تُساق إلى السلطات بعد مقتل القبيلة التي ربّتها. يدرك "كيد" أنه مضطر لإيجاد منزل لهذه الفتاة اليتيمة.

كان المخرج غرينغراس ذكياً بما يكفي كي يُطَعّم هذا الفيلم الذي تدور أحداثه في العام 1870 ببعض أفكار العام 2020. يشقّ "كيد" طريقه نحو مقاطعة "إيراث"، حيث تسود أجواء من العزلة التامة وتنتشر أخبار كاذبة طوال الوقت. يُصِرّ أهم شخص في المنطقة، "فارلي" (توماس فرانسيس مورفي)، على أن يقرأ "كيد" صحيفته لنشر خبر حول طرد جميع الناس من المنطقة باستثناء أصحاب البشرة البيضاء، ويسهل أن يربط المشاهدون بين تلك الأحداث وحملات التضليل في الحقبة المعاصرة. كذلك، تعكس الجهود التي يبذلها بطل القصة لإعادة توحيد بلدٍ مفكك عن طريق المعرفة واللباقة جوانب كثيرة من أحداث العام 2020.

لا يستكشف فيلم News of the World هذه المواضيع كلها بالتفصيل، لكنه يحافظ على تماسكه وجانبه الترفيهي بفضل احترافه العالي. قد نشعر بأن هذا العمل هو أكثر فيلم تقليدي قدّمه غرينغراس في مسيرته لكن يتّسم الإخراج هذه المرة بحيوية لا يمكن رصدها دوماً في أفلام الويسترن الاعتيادية. يمكن اعتبار هذا العمل الأفضل من الناحية الجمالية أيضاً، إذ يعرض مدير التصوير داريوس وولسكي مناظر خلابة بمعنى الكلمة، ويتّسم الفيلم بواحدة من أفضل الموسيقى التصويرية لهذه السنة وهي تحمل توقيع جيمس نيوتون هاورد. في الوقت نفسه، من الممتع أن تشارك أسماء مدهشة في طاقم التمثيل، على غرار راي ماكينون وإليزابيث مارفل وبيل كامب. على الورق، قد لا تبدو هذه الحكاية البسيطة مميزة جداً، لكن يبقى هذا الفيلم بمثابة هدية قيّمة للمشاهدين بعد سنة عصيبة عجز فيها الناس عن إيجاد أي شكل من الراحة!