لم يكن بولس سلامة شاعرًا يطلّ على الألم من نافذة الخيال، بل كان رجلا عرف المرض في جسده، ورافقه سنوات طويلة، واختبر معه معنى العجز والوحدة، قبل أن يحوّل جانبًا من هذه التجربة إلى كتابة وتأمل. ولعلّ هذا ما يمنح أدبه صدقًا خاصًا؛ فالصبر عنده لم يكن كلمة تُقال للآخرين من موقع العافية، بل موقفًا يختبره الإنسان حين تضيق به الحركة، ويصبح السرير عالمه، وتغدو الكتابة نافذته إلى العالم.
وُلد بولس سلامة عام 1902 في بتدين اللقش في قضاء جزين، ودرس الحقوق، ثم تولّى القضاء. غير أن المرض أقعده سنوات طويلة، وأدخله في تجربة جسدية ونفسية شاقة، ظلّ خلالها متمسكًا بالقراءة والكتابة. توفي عام 1979، بعد رحلة طويلة مع المرض تركت أثرًا واضحًا في شعره ونثره. ولم يكن المرض كل تجربته الأدبية؛ فقد كان صاحب نتاج شعري وفكري متنوع، ارتبط اسمه خصوصًا بملحمته "عيد الغدير" وكتابه "مذكرات جريح".
في حوار أجرته معه مجلة "دعوة الحق" المغربية، وصف سلامة خروجه من فراش المرض بعد نحو عشرين عامًا، فبدت له الحياة خارج السرير غريبة، وكان عليه أن يتعلم المشي من جديد وأن يحاذر السقوط. ومع ذلك، لم يستسلم للتشاؤم، بل ظلّ متفائلا، وقال إنه لم يكن يحسد الأصحاء إلا على النوم الهادئ ورؤية الشمس والنجوم.
هنا تتضح خصوصية تجربته. فالمرض عند بولس سلامة ليس بطولة في حدّ ذاته، ولا طريقًا مضمونًا إلى العبقرية. فالإنسان المريض لا يحتاج إلى أن يُمدح لمرضه، بل إلى أن يُفهم في ضعفه، وأن تُصان كرامته حين يعجز الجسد عن أداء ما اعتاد أداءه. والمرض لا يجعل صاحبه أفضل بالضرورة، لكنه قد يدفعه إلى إعادة النظر في حياته، وفي أشياء كان يمرّ عليها في أيام الصحة من دون انتباه.
الألم والشاعرية
وقد سُئل سلامة، في حواره مع "دعوة الحق"، عن أثر الألم في نشاطه الأدبي، فأجاب: "الألم لا يولّد شاعرية ولا عبقرية، ولكنه يوقظ الشاعرية النائمة". وهذه العبارة تلخص جانبًا أساسيًا من نظرته إلى المرض؛ فالألم لا يصنع الموهبة من العدم، لكنه قد يفتح أمام صاحبها أبوابًا داخلية كانت مغلقة في زحام الحياة اليومية، ويدفعه إلى التفكير العميق والنظر إلى الحياة بجدية أكبر.
وهذا المعنى يظهر في شعره. ففي قصيدة "صلاة" يقول:
"إنّ حظي من الحياة سرير
صرت منه فلم يعد خشبيّا"
ليس هذا مجرد وصف للمرض، بل اختصار لعلاقة الإنسان بالزمن حين يتحول المكان الذي كان محطة عابرة إلى عالم كامل. فالسرير هنا ليس قطعة أثاث، بل صورة لجسد تغيّرت شروط حياته، ولرجل وجد نفسه مضطرًا إلى أن يبحث عن الحرية في مكان لا يستطيع مغادرته.
وفي موضع آخر، يستحضر صورة أيوب فيقول:
"أيوب، أيوب، هو قطرة وأنا خضم بلاء"
إنها صورة شعرية كثيفة تكشف حجم الألم الذي عاشه، من دون أن تجعل المرض فضيلة أو بطولة. فالشاعر لا يحتفي بالألم، بل يحاول أن يمنحه صورة ولغة، وأن يخرجه من الصمت إلى التعبير.
ومن هنا، تصبح "مذكرات جريح" أكثر من تسجيل لحالة مرضية. إنها محاولة لاستعادة الحياة بالكلمات، وتحويل التجربة الخاصة إلى أثر يتجاوز صاحبها. فالكتابة لا تعيد إلى الجسد عافيته، لكنها تمنح الألم لغة، وتحفظ التجربة من أن تتحول إلى معاناة صامتة. وحين يكتب المريض، لا يكون قد انتصر على المرض بالضرورة، لكنه يستعيد شيئًا من حريته؛ إذ يختار كيف يرى ما يحدث له، وكيف يترك أثره في الآخرين.
التجربة والمعنى
لكن قيمة تجربة بولس سلامة لا تكمن في أنها تدعو المرضى جميعًا إلى الصبر على صورة واحدة. ليس مطلوبًا من كل إنسان متألم أن يكون شاعرًا، ولا أن ينتج عملا أدبيًا، ولا أن يخفي خوفه أو غضبه. الصبر ليس إنكارًا للألم، ولا ابتسامة دائمة في وجه المحنة. قد يكون الصبر أحيانًا مجرد القدرة على عبور يوم آخر، أو استقبال صديق، أو قراءة صفحة، أو الإمساك بالقلم، أو الاحتفاظ برجاء صغير في غد لم يصل بعد.
وفي تجربة سلامة، كانت الكتابة إحدى وسائل المقاومة الهادئة. لم يكن القلم قادرًا على إعادة الجسد إلى ما كان عليه، لكنه استطاع أن يمنح التجربة معنى. وكلما ضاقت مساحة الحركة، اتسعت مساحة الذاكرة والخيال والتأمل. وهكذا أصبحت الكتابة حركة أخرى حين تعذرت حركة الجسد؛ انتقالا من السرير إلى الذاكرة، ومن العجز إلى اللغة، ومن التجربة الخاصة إلى القارئ.
ولعل أجمل ما في هذه التجربة أن سلامة لا يقدم وصفة جاهزة للصبر، بل نموذجًا لإنسان حاول أن يعيش بما بقي له من إمكانات. فالإنسان لا تُقاس قيمته فقط بما يستطيع جسده أن يفعله، وإنما أيضًا بما يستطيع عقله وقلبه وذاكرته أن يمنحوه للحياة.
إن قراءة بولس سلامة اليوم ليست عودة إلى شاعر لبناني كبير فحسب، بل عودة إلى سؤال إنساني دائم: كيف نحافظ على كرامتنا حين تتغير شروط حياتنا؟ وكيف نمنح الألم معنى من دون أن نمجّده؟
في تجربة سلامة، لا تأتي الإجابة في شعار، بل في سيرة رجل حاصره المرض ولم يستطع أن يحاصر كلمته. لقد بقي الألم حاضرًا في حياته، لكنه لم يكن الكلمة الأخيرة فيها. بين السرير والورقة، وُلد نوع آخر من الصبر: صبر لا يكتفي بأن ينتظر، بل يكتب.
*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
