الراهب، المقاوم، والمؤرّخ... إنه الأباتي بولس نعمان. حمل في جبّته وزنات كثيرة استثمرها في خدمة الإنسان والكنيسة ولبنان، حتى بدا الدير وطنه، والوطن ديره. من جامعة الروح القدس – الكسليك إلى "الجبهة اللبنانية"، ومن البحث في جذور الموارنة إلى قيادة الرهبانية اللبنانية المارونية في خضم الحرب وتحديد المصير، ظلّ يتحرّك على خط واحد: الإنسان، الكيان والحرية.
كان من جيل وجد نفسه أمام سؤال لا يزال يتردد حتى اليوم: أي لبنان نريد؟ وأي دور للمسيحيين والموارنة فيه؟ وأي معنى للدولة إذا فقدت قرارها وحريتها؟ ومن هنا جاء انخراطه في الشأن العام انطلاقًا من فهمه لمسؤولية الراهب تجاه مجتمعه ووطنه.
واليوم، بعدما أكمل سعيه وحفظ الأمانة، يمضي إلى فرح سيده. رحل عشية عيد ارتفاع الصليب وذكرى استشهاد بشير الجميّل، في مصادفة يمكن اعتبارها اختصارًا لمسيرته: الصليب الذي حمله إيمانًا ورسالة، وبشير الذي شكّل محطة أساسية في تجربته الوطنية، ولبنان الذي بقي حاضرًا في كتبه ومواقفه حتى الفصل الأخير.
وفي كتبه ومذكّراته، لم يترك بولس نعمان سيرة رجل فحسب، بل شهادة على زمن لبناني كامل. كان مؤرّخ ذلك الزمن وأحد شهوده، وفي محطات كثيرة واحدًا من صانعيه.
من شرتون إلى الرهبنة
وُلد بولس نعمان في شرتون عام 1932، في بيت أسعد نعمان ولميا أبي ناهض. أمضى طفولته الأولى في بلدته، ثم انتقلت العائلة شتاءً إلى رأس بيروت، حيث تابع دراسته في مدرسة الآباء الكبوشيين في شارع الحمرا.
ومن البيت بدأت حكايته مع الإيمان. روى لاحقًا أن صورة والدته وهي تصلّي تركت فيه أثرًا عميقًا، وأنه كان، طفلًا، يبني مذابح صغيرة تحت الأشجار ويصلّي أمامها.
وحين سأله أحد رهبان الرهبانية اللبنانية المارونية إن كان يريد الذهاب إلى الدير، أجاب ببساطة: "نعم". كانت تلك بداية الطريق: دير سيدة النصر في غوسطا، ثم دير الابتداء في كفيفان، فالنذور الرهبانية، قبل أن تمتد الرحلة إلى روما والعلم والبحث والتاريخ. هناك اختار أن يغوص في جذور الموارنة ونشأة كنيستهم، وقضى سنوات بين الكتب والوثائق والمكتبات.
عاد إلى لبنان في خريف 1967 حاملا الدكتوراه، وانخرط في النهضة الأكاديمية التي كانت تشهدها جامعة الروح القدس – الكسليك. أسهم في إنشاء قسم التاريخ وتولى إدارته نحو عشرة أعوام، إلى جانب عمله أستاذًا وعميدًا لكلية الآداب.
حين خرج التاريخ من الكتب
لم يمهله لبنان طويلا ليبقى في قاعات الجامعة. فمنذ أواخر الستينات، بدأت التحولات الأمنية والسياسية تضرب البلاد، ولا سيما بعد حرب 1967 واتفاق القاهرة، ووجد نعمان نفسه أمام جيل من الشباب القلق على مستقبل لبنان.
بحسب ما روى في مذكراته، كُلّف بإرشاد هؤلاء الشبان ومواكبتهم، فانطلقت اجتماعات ودراسات وقراءات للمشهد اللبناني. وشيئًا فشيئًا وجد نفسه داخل أحداثه.
شارك في الاجتماعات الفكرية التي انطلقت في الكسليك منذ عام 1969، ومنها نشأت لاحقًا "لجنة البحوث اللبنانية" التي جمعت مفكرين وأكاديميين وناشطين. ومع اندلاع الحرب، اتسع دوره أكثر، فكان عضوًا في "الجبهة اللبنانية"، إلى جانب مسؤولياته الأكاديمية والرهبانية.
ولم يتنكر نعمان يومًا لذلك الدور. كان يرى أن مسؤوليته لا تتجزأ بين الكنيسة والمجتمع، وأن الدفاع عن الإنسان والوطن والحرية ليس شأنًا منفصلا عن رسالته. لذلك تحدّث في مذكراته عن تلك المرحلة بوضوح، بوصفه راهبًا وأكاديميًا وفاعلا في المجتمع اللبناني في آن واحد.
الرهبانية في الميدان
عام 1980، انتُخب بولس نعمان رئيسًا عامًا للرهبانية اللبنانية المارونية خلفًا للأباتي شربل القسيس. لم يكن التوقيت عاديًا. كان لبنان غارقًا في الحرب، وكانت الرهبانية، بأديارها ومؤسساتها، في قلب مجتمع منكوب بالتهجير والخوف والانهيار.
بقي في موقعه حتى عام 1986، في واحدة من أدق المراحل التي مرّ بها لبنان والرهبانية معًا. ولم يتعامل مع الأديرة بوصفها أمكنة معزولة عن المأساة، بل فتحها أمام المهجرين والمنكوبين، لتصبح في أكثر من منطقة ملجأً للناس ومكانًا للمساعدة والصمود.
بشير الجميّل: محطة لا تغيب
في تلك السنوات، كان اسم بولس نعمان حاضرًا أيضًا في قلب الحياة السياسية، ولا سيما خلال مرحلة صعود الشيخ بشير الجميّل وانتخابه رئيسًا للجمهورية عام 1982.
رأى في بشير مشروعًا لاستعادة الدولة والقرار والكيان، وواكب تلك المرحلة عن قرب. وعندما اغتيل الرئيس المنتخب في 14 أيلول 1982، تحولت لحظة الاغتيال إلى واحدة من العلامات الفاصلة في ذاكرة نعمان الشخصية والوطنية.
لم تكن المحطة عابرة إلى حد أنه جعل استشهاد بشير الحدّ الزمني الذي ينتهي عنده الجزء الأول من مذكراته "الإنسان، الوطن، الحرية". كأن زمنًا كاملًا انتهى بالنسبة إليه في ذلك اليوم، وبدأ بعده زمن آخر.
إلى الذاكرة وصون الهوية
بعد انتهاء ولايته على رأس الرهبانية، عاد بولس نعمان إلى الجامعة والبحث والتأليف. تولى لاحقًا مسؤوليات جامعية، بينها نيابة رئاسة جامعة الروح القدس، وانصرف مجددًا إلى التاريخ، ولا سيما تاريخ الموارنة ولبنان.
لكن عودته إلى الكتب لم تكن عودة إلى الماضي فقط. كان يحاول أن يفهم من خلاله الحاضر، وأن يحفظ ذاكرة مرحلة عاشها بنفسه وشارك في صنع بعض أحداثها.
ترك نتاجًا فكريًا وتاريخيًا واسعًا تمحور بصورة خاصة حول الموارنة وتاريخهم ولبنان والحرب. ومن أبرز أعماله Théodoret de Cyr et le monastère de Saint Maroun: les origines des Maronites عام 1971، و"المارونية لاهوت وحياة: من جبال قورش إلى سهول آفاميا" عام 1992، ومشاركته في إعداد "بحث عن الموارنة: أصلهم واسمهم وديانتهم" عام 2006، ثم مذكراته "الإنسان، الوطن، الحرية" عام 2009، و"لبنان، الموارنة إلى أين؟" عام 2014.
الموارنة... للبنان
شكّل تاريخ الموارنة هاجسًا فكريًا لازم الأباتي بولس نعمان منذ دراسته الأكاديمية الأولى حتى سنواته الأخيرة. لكنه لم يتعامل مع المارونية باعتبارها هوية منغلقة أو دعوة إلى امتياز طائفي، بل ربطها بالحرية والأرض والانفتاح على الآخر.
وكان من أكثر ما عبّر به عن هذه النظرة قوله إن "الموارنة للبنان وللشرق"، وحذّر في سنواته الأخيرة من ابتعاد الموارنة عن تاريخهم ودورهم ومن خسارة ارتباطهم بالأرض، ورأى أن وجودهم لا يكتسب معناه من العدد بقدر ما يكتسبه من الرسالة.
بالنسبة إليه، المارونية هي تجربة تاريخية قامت على البحث عن الحرية وحمايتها. ومن هنا جاء إصراره على أن تبقى مرتبطة بلبنان، لا بوصفه ملكًا لطائفة، بل مساحة للعيش المشترك والحرية والتعدد.
الإنسان والأرض والحرية
في مقدمة مذكراته، لخّص الأباتي بولس نعمان بنفسه السبب الذي أخرجه من هدوء الدير إلى صخب الوطن. كتب أن الدفاع عن الإنسان والوطن والأرض والحرية "فرض ذاته"، لأنه دفاع عن الكيان وعن القيم التي آمن بها. وربما لا توجد عبارة تختصر سيرته أكثر من ذلك. لم يرَ تناقضًا بين الراهب والمناضل، ولا بين المؤرخ ورجل الموقف، ولا بين الإيمان والدفاع عن وطن حر. عاش الرهبنة منخرطًا في الأرض والناس، وقرأ التاريخ ليحرس الذاكرة، ودخل السياسة من باب ما اعتبره مسؤولية تجاه الكيان والحرية. وهكذا، من مذابح الطفولة الصغيرة تحت أشجار شرتون إلى الأديرة والجامعة والجبهة اللبنانية وكتب التاريخ، ظلّ بولس نعمان وفيًا لثلاثية اختصر بها جانبًا كبيرًا من مسيرته: الإنسان، الوطن، الحرية.