أبوظبي - برلين... شراكة تصنع النفوذ

3 دقائق للقراءة
تستند هذه الشراكة إلى قاعدة قائمة أصلًا (أ ف ب)

تجاوزت زيارة رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد إلى ألمانيا هذا الأسبوع حدود الاستثمارات الضخمة والاتفاقات التجارية، لتعكس تحوّلًا أوسع في طبيعة العلاقة بين أبوظبي وبرلين، وانتقالها من شراكة اقتصادية متقدّمة إلى تقاطع استراتيجي تفرضه التحوّلات الجيوسياسية وإعادة صياغة طبيعة التحالفات في العالم.

وتكتسب الحزمة الإماراتية الجديدة، البالغة 40 مليار يورو، أهميتها من القطاعات التي تستهدفها بقدر ما تستمدّها من حجمها. فألمانيا، أكبر اقتصاد أوروبي، تواجه ضغوطًا متراكمة على نموذجها الصناعي بفعل ارتفاع كلفة الطاقة وتباطؤ النمو والمنافسة التكنولوجية الأميركية والصينية. وتأتي الاستثمارات الإماراتية في البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات، إلى جانب الطاقة والصناعة، لتضخّ رؤوس أموال طويلة الأمد في قطاعات ترتبط مباشرة بقدرة الاقتصاد الألماني على استعادة تنافسيته. كما أن تأسيس مجلس استثمار مشترك مستقبلًا وتوقيع 29 اتفاقية تتجاوز قيمتها 9.4 مليارات يورو ينقلان العلاقة من صفقات متفرّقة إلى إطار مؤسّسي قابل للتوسّع.

ومن الجانب الإماراتي، تحمل الشراكة أبعادًا تتخطّى العائد المالي المباشر. فأبوظبي، التي بنت خلال السنوات الماضية استراتيجية ترتكز على تنويع الاقتصاد واستثمار فوائض الطاقة في قطاعات المستقبل، تجد في ألمانيا قاعدة صناعية وتكنولوجية متقدّمة وشريكًا أوروبيًا ذا ثقل سياسي واقتصادي. ويضع الاستثمار في مراكز بيانات بقدرة تقارب غيغاواط واحد رأس المال الإماراتي في صلب البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في أوروبا، فيما يفتح التعاون في طاقة الرياح البحرية وتخزين الطاقة والغاز الطبيعي المسال المجال أمام شراكة تمتدّ من أمن الطاقة التقليدي إلى التحوّل نحو الطاقة النظيفة.

وتوازي الأهمّية السياسية البعد الاقتصادي، إذ إن الحرب مع إيران، والاضطراب في مضيق هرمز، والتحوّلات في علاقة أوروبا بأميركا، تدفع برلين إلى تنويع شركائها في الطاقة والاستثمار والدفاع، وتقليص مستويات اعتمادها على القوى الكبرى. وفي المقابل، تسعى الإمارات إلى توسيع شبكة علاقاتها مع القوى الأوروبية المؤثّرة، بما يمنحها هامشًا أوسع للحركة في بيئة دولية تزداد استقطابًا. ومن هنا، تلتقي الحاجة الألمانية إلى رأس المال والطاقة والأسواق مع الحاجة الإماراتية إلى التكنولوجيا والصناعة وتعزيز الحضور الاقتصادي الطويل الأمد.

وتستند هذه الشراكة إلى قاعدة قائمة أصلًا. فالإمارات هي أكبر شريك تجاري لألمانيا في الخليج، وتعمل في السوق الإماراتية شركات ألمانية كبرى، في حين راكمت أبوظبي استثمارات مهمّة في الصناعة والطاقة الألمانية. وفي عالم تتراجع فيه اليقينات وتزداد فيه كلفة الاعتماد على شريك واحد، تبدو الشراكة الإماراتية - الألمانية نموذجًا لاتجاه دولي يرتكز على بناء علاقات مرنة تستند إلى المصالح المتبادلة، وتجمع بين رأس المال والطاقة والتكنولوجيا والأمن. ومن هذه الزاوية، تكتسب زيارة بن زايد إلى ألمانيا دلالتها الأوسع، باعتبارها خطوة في مسار استراتيجي يعزّز موقع البلدين داخل نظام دولي سريع التحوّل.