وسام مسلّم

عن لبنان وبولس نعمان

3 دقائق للقراءة

خمسة عشر عامًا وأنا أرافقه، وأستقي يوميًا من قدس الأباتي الخبرات والمعرفة وصلابة الإيمان والعنفوان.

سويًا كنا في جامعة المقاومة اللبنانية في الكسليك. هو النائب الفخري للجامعة، وأنا المسؤول الإعلامي فيها. ترافقنا سويًا من بزوغ الفجر حتى هبوط المساء. على طرقات لبنان مشينا، وهو الذي كانت له علاقات جمة أينما ذهبنا. يقول لي: «لنمكث في ذاك المنزل، هم أصدقائي».

من إهدن إلى بشري، إلى بكفيا، إلى الشوف، الأكثر محبة على قلبه، إلى زحلة ودير الأحمر وعكار ورميش، ذهبنا أنا وإياه. تاريخ لبنان استقيت منه.

لم يفته يومًا إلا ويذكر صديقه الدكتور شارل مالك وابنه المدلل الشيخ بشير. كان يسحره ذاك الشاب المشاكس، كما يسميه. «لن يرى الموارنة زعيمًا مثله»، كان دومًا يشبهه بالمقدم بن يمين داغر الحرديني. كلاهما أبطال؛ الأول روت دماؤه الأشرفية، والثاني نهر المدفون الذي سُمّي المكان باسمه حيث استشهد.

كل ١٤ أيلول، كنا نهمّ سويًا إلى قداس الأشرفية، ثم نتوجه إلى مقبرة القائد، كما يسميه، يؤمّ الصلاة مع عائلة البشير، ومن بعدها نزور منزل السيدة صولانج لنستقي القهوة.

دومًا كنت أنظر إلى عينيه، أعرف أن الألم قد قضى على الأمل.

بالنسبة إليه، نديم: «علينا أن نعطيه فرصة حقيقية، هو ابن بشير. عاش يتيمًا، والأيام ستقوي صلابته».

عن إهدن وأحداثها روى: «كان ذات صباح باكر، اتصل بي أمن الجامعة، يحدثونني عن شخص مقنّع يصرّ أن يراني. قلت لهم: دعوه يدخل. ما إن رآني حتى انهال بالبكاء. كان البشير. عرفت آنذاك أن طوني فرنجية قد قُتل. فانهلت عليه بالصراخ. لم يكن لدى حزب الكتائب أي قرار بقتل طوني فرنجية»، يروي نعمان.

والنتيجة كانت انقسام موارنة الشمال عن جبل لبنان.

في طريق عودتنا إلى الكسليك، تدمع مقلتاه. رآني قد رأيت دموعه. «لا تخف يا بني. وأنا في العشرين من عمري، الموارنة كوادي قنوبين. جباههم عالية كمرتفعات جبالها، وقلوبهم صلبة كصخورها».

«كيف يا أبتي؟» سألته.

أخبرني عن حادثة لقائه وشاكر بو سليمان مع العماد عون في القصر الجمهوري، إبان بدء حرب الإلغاء.

«ما إن وصلنا أنا وشاكر إلى صالون القصر، أتى العماد عون. صرخت بوجهه: ماذا تفعل؟ ألا تعلم أن الموارنة يقاتلون منذ أكثر من ألف وست مئة سنة؟ هل تعتبر أنك ستربح الحرب على القوات؟ إنهم يقاتلون من دون أي مردود، أما جيشك فيقاتل من أجل أن يتقاضى معاشه آخر الشهر!»

ويضيف: «كانت نبرة صوتي جدًا مرتفعة، ولو لم أكن راهبًا لتصرّفت بطريقة أقسى».

سألته عن زعماء الموارنة.

«أعطني ثلاثة أسماء زعماء موارنة لا يبيعون قضيتهم».

يقول: «أولًا بشير، ثانيًا سمير، وثالثًا أتركها للتاريخ البعيد».

عن الجبل وحربه، يلوم جدًا وليد جنبلاط، ودومًا يحمله وزر ما حصل. كان يحترم مروان حمادة، ولا يحب التواصل معه.

بعد نجاته من محاولة الاغتيال، قلت له: «لنذهب إلى الجامعة الأميركية لنطمئن على صحته». تردد برهة، ومن ثم قال: «هيا بنا».

ما إن دخلنا باب الغرفة حتى رآه الوزير حمادة. صرخ قائلًا: «كان علينا أن نصغي إليكم يا أبتي من ٤٨ و٥٨ والـ٧٥. لو استمعنا إليكم لما كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم».

ابتسم نعمان قائلًا: «اليوم، الحمد لله على سلامتك».

لم يلفظ كلمة سواها.

فهمته، ورأيت ما كان يدور في فكره…

***

يتبع…

رئيس بلدية بزيزا الكورة