بدأ الروس أمس التصويت في الانتخابات التشريعية الأولى التي ينظّمها الرئيس فلاديمير بوتين منذ إطلاقه الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في شباط 2022. وبطبيعة الحال، لا يتوقّع أحد أي مفاجآت في الانتخابات التي تمتدّ ثلاثة أيام وتخضع لرقابة مشدّدة، بل يُتوقّع أن يعزّز التصويت قبضة بوتين على السلطة التي يتولّاها منذ 26 عامًا. فالانتخابات التي تُجرى تحت إشرافه تشكّل عملية صورية تمنحه شرعية زائفة، تمامًا كما كانت "الانتخابات" تُجرى في سوريا والعراق إبّان حكم "حزب البعث" في كلّ من البلدين. فلم يُسمح بالتسجيل للمشاركة في الانتخابات إلّا للأحزاب التي تدعم بوتين وحربه على أوكرانيا، بينما يقبع معارضوه الجدّيون إمّا في السجن، وإمّا في المنفى، وإمّا تحت التراب. وندّد الاتحاد الأوروبي بالانتخابات، مؤكدًا أن "القمع" استُخدم للقضاء على المعارضين، في حين نظّمت موسكو عمليات تصويت في المناطق الأوكرانية المحتلّة.
يحاول بوتين، من خلال هذه المسرحية الانتخابية، إظهار دعم الروس لحربه على أوكرانيا. وفي ظلّ غياب أي أحزاب معارضة جدّية، تتمثّل المعركة الأهمّ بالنسبة إلى الكرملين في تحقيق أكبر نسبة مشاركة ممكنة. ويستمرّ التصويت حتى الأحد لشغل المقاعد الـ450 كلّها في مجلس الدوما، الغرفة السفلى في البرلمان الروسي. ومن المحتّم أن يفوز حزب "روسيا الموحّدة" بزعامة بوتين بغالبية المقاعد، بينما تتنافس على المقاعد المتبقية الأحزاب التي سُمح لها بالمشاركة لأنها تؤيّد سياساته، وهي الحزب الشيوعي، والحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي القومي، و"روسيا العادلة"، و"الشعب الجديد".
في المقابل، مُنع حزب "يابلوكو"، الحزب الوحيد المسجّل المعارض للحرب، من خوض الانتخابات قبيل موعد التصويت، وسُجن ليف شلوسبرغ، إحدى أبرز شخصياته، بسبب انتقاده الحرب. وأكد غريغوري يافلينسكي، السياسي الروسي الليبرالي البارز وأحد مؤسّسي "يابلوكو"، لشبكة "سي أن أن" أن الكرملين فوجئ بحجم الدعم للحزب ولرسالته الأساسية الداعية إلى وقف النار في أوكرانيا. ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن تشهد روسيا تعبئة عسكرية جديدة بعد الانتخابات، فيما تمكّنت كييف من نقل الحرب إلى الداخل الروسي من خلال ضرباتها بعيدة المدى على منشآت الطاقة، ما أدّى إلى تشكّل طوابير عند محطّات الوقود في أنحاء البلاد. وبالتزامن مع فتح مراكز الاقتراع أبوابها، تعرّضت موسكو لموجة هجمات بمئات الطائرات المسيّرة الأوكرانية.
وبينما حضّت المعارضة الروسية في المنفى، ومن بينها أرملة المعارض البارز الراحل أليكسي نافالني، المعارضين على عدم مقاطعة الانتخابات والتصويت "ضدّ حزب بوتين"، خالف حزب "يابلوكو" هذا التوجّه، معتبرًا أن من الأفضل عدم التصويت. وقال رئيس الحزب نيكولاي ريباكوف هذا الأسبوع: "أنتم تقترحون أن نذهب مرّة أخرى، كالخراف، ونرقص على أنغامهم، ونصوّت لأولئك الذين تسبّبوا في مقتل أشخاص في روسيا وأوكرانيا؟".
وفي ظلّ تصاعد التوترات الأوروبية - الروسية، حذّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من التهديد المتنامي الذي تشكّله العمليات الروسية الخفية في أنحاء أوروبا، مؤكدًا أنه أمر باتخاذ إجراءات لحماية البنية التحتية الحيوية في فرنسا من "الهجمات الهجينة" الروسية. وتعهّد بأن الهجمات الروسية على الأراضي الفرنسية لن تمرّ من دون ردّ، ولن تثني بلاده عن دعم أوكرانيا. وكان رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك قد حذّر الخميس من أن روسيا تخطّط لشنّ هجمات "هجينة" بطائرات مسيّرة وصواريخ ضدّ دول داعمة لأوكرانيا.
وأعلن توسك، خلال زيارته كييف أمس، انضمام بلاده إلى تحالف يضمّ أوكرانيا وتسع دول أوروبية أخرى، يهدف إلى التطوير المشترك لنظام جديد مضادّ للصواريخ الباليستية، ليكون بديلًا أقلّ كلفة من نظام "باتريوت" الأميركي. في المقابل، استدعت الخارجية الروسية القائمة بالأعمال البريطانية في موسكو لتقديم احتجاج رسمي بشأن ما وصفته بأنه "زيادة إضافية" من جانب لندن في إمدادات الأسلحة إلى كييف.
في هذه الأثناء، أطلق الرئيس فولوديمير زيلينسكي تجمّعًا إقليميًا جديدًا يضمّ ثماني دول من منطقة الكاربات في وسط أوروبا وشرقها، خلال قمة عُقدت في غرب أوكرانيا بهدف تعزيز التعاون التجاري والأمني. ويضمّ التجمّع الجديد، إلى جانب أوكرانيا، رومانيا وصربيا وبولندا وسلوفاكيا والتشيك والنمسا والمجر والاتحاد الأوروبي. وأكد زيلينسكي أن هذا التجمّع يُمثّل بداية حركة من شأنها خلق "مزيد من التقارب بين بلداننا وإطار قوي آخر للتعاون على مستوى الاتحاد الأوروبي"، مشيرًا إلى توسيع نطاق التعاون في مجالات الطاقة والخدمات اللوجستية والتجارة عبر الحدود والأمن.
نوويًا، كشفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنها تلقّت معلومات تفيد باصطدام طائرة مسيّرة ببرج تبريد في وحدة مفاعل بمحطة طاقة نووية روسية في منطقة كورسك الخميس. وأشارت إلى أن وحدة المفاعل كانت قيد التشغيل وقت تعرّضها للضربة، لكنها واصلت العمل بصورة طبيعية، ولم تؤدِّ الواقعة إلى اندلاع حريق.