خاص - نداء الوطن

ماذا يجري بين الحكومة ووزير الطاقة… وإلى أين قد تذهب القوات؟

5 دقائق للقراءة
وزير الطاقة جو الصدي

ليس واضحاً بعد ما إذا كان الخلاف بين حكومة نواف سلام ووزير الطاقة جو الصدي سيبقى في إطار النقاش المالي، أم سيتحول إلى مشكلة سياسية داخل الحكومة. لكن جوهر الخلاف يبدو واضحاً: هل يمكن فصل إصلاح قطاع الكهرباء عن تمويله؟ وهل تستطيع الحكومة أن تطلب من وزير الطاقة إصلاح القطاع والحفاظ على التغذية، من دون أن تؤمّن الموارد اللازمة لتنفيذ هذه المهمة؟


تزداد أهمية هذا السؤال في ظل مناقشة مشروع موازنة 2027. فبحسب معلومات من مصادر مطلعة، تبدو الحكومة مستعدة لفتح هوامش مالية في قطاعات عدة. وتحظى وزارة الصحة، المحسوبة على حزب الله، بموازنة هي من الأعلى تاريخياً، رغم الأسئلة المتعلقة بتوزيع السقوف المالية على المستشفيات، ومناقصات الأدوية، والمعايير المعتمدة في تسجيل بعض الأدوية الإيرانية والهندية ومدى مطابقتها لشروط السلامة الدولية.


كما تُرصد موازنات إضافية لمجلس الجنوب، وسط الحاجة إلى التدقيق في وجهة استخدامها ونتائجها، فيما تتجه الحكومة إلى زيادة رواتب القطاع العام. وقد تكون لهذه القرارات مبرراتها الاجتماعية والسياسية، لكن المقارنة تصبح لافتة عندما يتعلق الأمر بالكهرباء: لماذا لا تُعامل كقطاع يحتاج إلى تمويل مستدام، لا إلى مطالب ظرفية من وزارة الطاقة؟


فلا تبدو هناك زيادة توازي حجم المشكلة في موازنة الطاقة، ولا اعتمادات كافية في الوزارات والإدارات لتسديد فواتير الكهرباء، ولا معالجة مالية واضحة لكلفة الإعفاءات التي أقرتها الدولة في الجنوب. كذلك، لا يبدو أن الحكومة اتخذت قراراً بتطبيق تعرفة متحركة تسمح باستيعاب ارتفاع كلفة الفيول عندما ترتفع أسعار النفط عالمياً.


وهنا يظهر الفصل الذي يبدو أنه أساس الخلاف. فإصلاح الكهرباء يتطلب تحسين الجباية، مكافحة الهدر والتعديات، زيادة الإنتاج، تطوير الإدارة، وإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة ومؤسسة كهرباء لبنان. أما تمويل الكهرباء، فيتعلق بتأمين كلفة الفيول، وتسديد فواتير الإدارات العامة، وتعويض المؤسسة عن الإعفاءات، وتحديد الجهة التي تتحمل تقلبات أسعار النفط.


يمكن لوزير الطاقة أن يتحمل مسؤولية الإصلاح ضمن صلاحياته، لكنه لا يستطيع أن يمول القطاع من موازنة وزارته او مداخيل كهرباء لبنان. فهو لا يحدد اعتمادات الوزارات الأخرى، ولا يفتح حسابات وزارة المال، ولا يقرر وحده كيفية تعويض الإعفاءات، ولا يتحكم بأسعار الطاقة العالمية.


لذلك، فإن مطالبة الوزير بالإصلاح لا تعفي الحكومة من مسؤولية التمويل. وإذا كانت وزارة المال تريد تجنب العودة إلى تمويل مفتوح لعجز الكهرباء، فهذا مفهوم. لكن البديل يجب أن يكون واضحاً: تعرفة أكثر مرونة، أو دعم مالي محدد وشفاف للبنى التحتية، أو تسديد الدولة مستحقاتها بكهرباء لبنان، أو اعتماد صيغة تجمع بين هذه الخيارات. أما رفض كل هذه الحلول ثم تحميل وزارة الطاقة مسؤولية تراجع التغذية، فيعني عملياً فصل النتائج عن أسبابها.


وقد لا يكون هذا المسار ناتجاً عن مواجهة سياسية مقصودة بين سلام والصدي. ربما يريد رئيس الحكومة تجنب النموذج القديم الذي كانت الخزينة تمول فيه عجز الكهرباء بلا حدود، فيما يرى وزير الطاقة أن المطلوب ليس شيكاً مفتوحاً، بل أن تتحمل الدولة كلفة القرارات التي اتخذتها هي نفسها.


لكن استمرار هذا الغموض سيحوّل الخلاف المالي إلى مشكلة سياسية. فعندما تتراجع التغذية، لن يسأل المواطن عن الجهة التي امتنعت عن فتح الاعتماد أو تسديد الفاتورة، بل سيسأل: من المسؤول عن الكهرباء؟ وإذا كان الوزير هو الواجهة الوحيدة، فقد يجد نفسه أمام كلفة سياسية لا تعكس كامل المسؤولية الفعلية.


وأين تقف القوات؟

لا توجد حتى الآن معطيات تسمح بالقول إن القوات اللبنانية قررت تحويل الملف إلى مواجهة مع سلام أو أنها تفكر في الخروج من الحكومة. بل إن لديها مصلحة واضحة في استقرار الحكومة والعهد. لكن دعم الاستقرار لا يعني قبول تحميل وزيرها مسؤولية قطاع لا يملك وحده مفاتيح تمويله.


إذا استمرت الأزمة، فقد لا يكون السؤال داخل القوات هو: «هل نخرج من الحكومة؟»، بل: «كيف نوضح حدود مسؤولية وزير الطاقة، ونمنع تحويله إلى عنوان وحيد لأزمة حكومية؟».


وقد تبدأ الخطوات برفع مستوى الاعتراض داخل مجلس الوزراء، أو المطالبة بقرار واضح حول تمويل الكهرباء، أو شرح الوزير للرأي العام ما طلبه وما حصل عليه. كما قد تختار القوات الفصل سياسياً بين أداء وزيرها وبين القرارات المالية للحكومة، من دون الانسحاب منها.


وهذا لا يعني أن قراراً بالتصعيد قد اتُخذ. فالقوات قد تراهن على معالجة الخلاف داخل الحكومة، وقد تعتبر أن الوقت لم يحن بعد للانتقال إلى مواجهة مفتوحة. لكن تجربة 2019 تذكّر بأن حرصها على استقرار حكومة تشارك فيها لا يعني أن صبرها غير محدود إذا شعرت بأن المسار لم يعد قابلاً للدفاع عنه.


من هنا، يأتي دور رئيس الجمهورية جوزيف عون في منع تحول الخلاف من نقاش حول تمويل الكهرباء إلى أزمة بين مكونات الحكومة. فالمطلوب تثبيت قاعدة بسيطة: لا يمكن أن تكون الكهرباء مسؤولية وزير عندما تتراجع التغذية، ومسؤولية الحكومة فقط عندما تتوافر الحلول.


حتى الآن، لا دليل على أن سلام يتعمد تحميل الصدي مسؤولية الأزمة، ولا على أن القوات اتخذت قراراً بالتصعيد. لكن استمرار الفصل بين إصلاح الكهرباء وتمويلها قد يدفع الطرفين تدريجياً إلى مواجهة لا يريدها أي منهما.


لذلك، السؤال ليس ما إذا كانت القوات ستواجه نواف سلام، بل إلى متى يمكن إبقاء أزمة الكهرباء في ملعب وزير الطاقة، فيما أن إصلاحها وتمويلها مسؤولية حكومية مشتركة؟