ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بدعوة من لجنة وقف سيدة العناية وبتولية البطريرك الماروني، الذبيحة الإلهية في كنيسة مار أنطونيوس الكبير، في حضور عدد من الأساقفة والكهنة والراهبات ولجنة الوقفية وأبنائها وحشد من المؤمنين.
وكان الراعي قد وصل من المقر البطريركي الصيفي في الديمان، يرافقه أمين السر العام الأب فادي تابت وأمين السر الخاص الخوري كاميليو مخايل، وكان في استقباله راعي أبرشية جبيل المارونية المطران ميشال عون، والنائب البطريركي العام المطران أنطوان عوكر، وراعي أبرشية بعلبك – دير الأحمر المارونية المطران حنا رحمة، وخادم الوقفية الأب أنطوان خضرا، إلى جانب عدد من الكهنة والراهبات ولجنة الوقفية وأبنائها.
واستهل الراعي زيارته بالصلاة أمام القربان المقدس في كنيسة سيدة العناية وإضاءة شمعة، قبل أن يتوجه إلى كنيسة مار أنطونيوس الكبير، حيث ترأس القداس الإلهي، وعاونه المطارنة عون وعوكر ورحمة، والأب خضرا ولفيف من الكهنة.
وفي مستهل الذبيحة الإلهية، رحب الأب خضرا بالبطريرك الراعي، مستعيداً مسيرة الوقفية منذ انطلاقتها قبل 32 عاماً، وما شكلته على مدى السنوات من مساحة للصلاة والسجود للقربان المقدس وتكريم العذراء مريم. وشكر الراعي على مواكبته ودعمه، مؤكداً أن الوقفية تحمل شخصه ورسالته في صلاتها.
«ما هي الحقيقة؟»
وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، تمحورت عظة الراعي حول السؤال الذي طرحه بيلاطس على يسوع: «ما هي الحقيقة؟».
ورأى أن هذا السؤال لا يزال مطروحاً على كل إنسان، لأن المسيح جعل المؤمنين شهوداً للحقيقة، مدعوين ليس إلى معرفتها فحسب، بل إلى إعلانها وعيشها، معتبراً أن الحياة من دون حقيقة تفقد معناها وغايتها.
ولفت إلى أن بيلاطس سأل عن الحقيقة لكنه لم ينتظر الجواب، فيما الإنسان مدعو إلى الوقوف أمام هذا السؤال وعدم الهروب منه، لأن الحقيقة، مهما كانت متطلبة، ليست مصدر خوف، بل طريق إلى الحرية، مؤكداً: «الحقيقة ما بتخوّف، الحقيقة بتحرّر».
وحدد الراعي ثلاثة أبعاد أساسية للحقيقة: حقيقة الله، وحقيقة الإنسان، وحقيقة التاريخ.
وفي ما يتعلق بحقيقة الله، ذكّر بالإيمان بالله الواحد المثلث الأقانيم، الآب والابن والروح القدس، مشيراً إلى أن الآب أحب العالم وأرسل ابنه يسوع المسيح، فيما يقود الروح القدس الإنسان ويحقق فيه ثمار الروح.
أما حقيقة الإنسان، فأكد أنها تقوم على أن كل إنسان، مهما كان دينه أو لونه، محبوب من الله ومراد منه ومخلوق على صورته، ولذلك فإن حياته مقدسة وكرامته مصونة. وشدد على أهمية استعادة هذه الحقيقة في عالم يفقد فيه الإنسان، في كثير من الأحيان، معنى كرامته وقدسية حياته.
«التاريخ مسرح لتحقيق تصميم الله»
وتوقف الراعي بصورة خاصة عند حقيقة التاريخ، مؤكداً أنه ليس مجرد تعاقب للأحداث، بحلوها ومرّها، ولا أياماً تمر الواحد تلو الآخر، بل «مسرح يتحقق فيه تصميم الله».
ومن هذا المنطلق، رأى أن المؤمن لا يستطيع أن يكون متفرجاً على التاريخ، بل هو مدعو إلى قراءة «علامات الأزمنة» واكتشاف ما يطلبه الله منه في اللحظة التي يعيشها.
ودعا كل إنسان إلى أن يسأل نفسه: لماذا أنا موجود في هذا الزمن وفي هذه الظروف بالذات؟ وما دوري في ما يجري من حولي؟ وكيف أكون معاوناً في تحقيق تصميم الله داخل تاريخ البشر؟
وأكد أن الله أعطى الإنسان الإرادة والعقل والقلب والضمير، الذي هو صوت الله في أعماقه، لكي يستطيع تمييز الحقيقة وتحمل مسؤوليته تجاهها.
وقال إن الإنسان ليس متفرجاً على تاريخه، بل شريك في صنعه ومسؤول عن قراءة أحداثه على ضوء الروح القدس.
وشدد الراعي على أن الحقيقة لا تُكتشف مرة واحدة وتنتهي، بل هي مسيرة يومية تتطلب من الإنسان أن يقرأ حياته وأحداثها باستمرار في ضوء الله، وعندها تكتسب حياته معناها ويصبح شاهداً للحقيقة.
واستحضر نماذج القديسين والطوباويين الذين جسدوا هذه الشهادة، من القديس أنطونيوس الكبير إلى القديس شربل والقديسة رفقا والطوباويين البطريركين الياس بطرس الحويّك واسطفان الدويهي، مؤكداً أنهم عاشوا الحقيقة وشهدوا لها، فلم تبقَ بالنسبة إليهم فكرة أو كلاماً، بل أصبحت حياة.
وكان الراعي قد أعلن أنه يقدم القداس على نية مؤسسة سيدة العناية والعائلات والشبيبة وجميع الذين واكبوا مسيرتها، ذاكراً بصورة خاصة جورج كيوان وجميلة باسيل، ومصلياً لكي تنمو المؤسسة وتواصل رسالتها وشهادتها.
وفي ختام عظته، صلى الراعي إلى الله كي يمنح الجميع نعمة معرفة الحقيقة وقراءتها في أحداث حياتهم، لأن الإنسان، حين يكتشف الحقيقة ويعيشها، لا يعود أسير الأحداث، بل يصبح شاهداً ومسؤولاً وشريكاً في التاريخ.
وختم بالتأكيد أن «الحقيقة لا تُخيف، بل تُحرّر»، وأن الإيمان لا يجعل الإنسان متفرجاً على التاريخ، بل شاهداً فيه وصاحب مسؤولية أمام الله والإنسان.