زينة باسيل

ماري الخازن… حين سبقت زمنها بالكاميرا

5 دقائق للقراءة

لم تكن الكاميرا بالنسبة إلى ماري الخازن مجرّد آلة لالتقاط الصور، بل نافذة على عالم أرادت أن تراه كما ترغب هي. في زمن كانت فيه الصورة امتيازًا نادرًا، وكانت المرأة قلّما تمسك بالكاميرا، اختارت ابنة زغرتا العزباء أن تجعل من شغفها بالتصوير مساحة للحرية والتجريب، وأن تترك بعد رحيلها صورًا تختصر وجوهًا وحكايات وملامح من لبنان الذي كان يتغيّر.

في عشرينات القرن الماضي، وفي شمال لبنان، كانت ماري الخازن تمسك كاميرتها وتتنقل بين أفراد عائلتها ومحيطها، ملتقطة تفاصيل الحياة اليومية: الوجوه، والرحلات، والطبيعة، والمناسبات العائلية، ومشاهد الريف. لم تكن تعرف آنذاك أن ما تفعله بشغف شخصي سيتحوّل، بعد عقود، إلى أرشيف بصريّ نادر يوثّق مرحلة كاملة من تاريخ لبنان الاجتماعي والثقافي.

أما من اكتشف أرشيفها بالمصادفة، فهو محسن يمّين من زغرتا، الذي كان يتردد مع أولاده إلى "تلّة الخازن" لتمضية بعض الوقت في الطبيعة. ويروي يمّين لـ "نداء الوطن": "ذات يوم، فيما كنت ألتقط صورًا لأولادي، سمعت امرأة تهمس لي: "هل تحب التصوير؟ أنا أيضًا كنت أصوّر!"". حينها دفعه فضوله إلى الاطلاع على مجموعة صورها، فلحق بماري التي كانت قد أصيبت في ساقها خلال الحرب، وصارت تتنقل بمساعدة عصا. وبعد دردشة بينهما، طلب منها السماح له بالاحتفاظ بجزء من الصور، فوافقت.

توفيت ماري الخازن، التي كانت تعيش مع شقيقها العازب أيضًا خازن الخازن، سنة 1983، بعد عام على لقائها بمحسن يمّين. وبعد وفاتها، بدأت المجموعة تلفت انتباه الكتّاب والأكاديميين والمثقفين، وأخذت صورها تجول العالم في معارض أُقيمت في دول أجنبية عدة، وكذلك في "معهد العالم العربي" و "الجامعة اللبنانية الأميركية".


الكاميرا مساحة حرية

ما يميّز تجربة ماري الخازن أنها لم تكن مصوّرة تكتفي بتسجيل ما يحدث أمامها، بل كانت تتدخل في تكوين الصورة، فتختار الأشخاص والملابس والمكان والوضعية. ومن أشهر أعمالها صورة "امرأتان متنكرتان بزي رجلين"، حيث تظهر امرأتان بملابس رجالية وطربوشين، في مشهد يتحدى الصورة التقليدية للمرأة في ذلك الزمن. وتكشف هذه الصورة، كما غيرها من أعمال الخازن، عن امرأة لم تكن تخشى اختبار حدود الصورة والمجتمع معًا.

لم تكن الجرأة في هذه الصورة حادثة منفردة. فقد ظهرت في صورها نساء في أوضاع وملابس وممارسات كانت بعيدة عن الصورة النمطية للمرأة آنذاك، بما في ذلك التدخين والصيد وقيادة السيارات. وهو ما جعل صورها، بعد مرور نحو قرن، مادة لأسئلة تتعلق بالمرأة والهوية والجندر والحداثة، لا مجرّد صور قديمة من الأرشيف.

فالصور التي التقطتها كاميرا ماري الخازن تحفظ تفاصيل ربما لم تتوقف عندها كتب التاريخ: كيف كان الناس يلبسون، وكيف كانوا يجتمعون ويقضون أوقاتهم، وكيف بدت البيوت والقرى، وما كانت عليه العلاقات الاجتماعية داخل العائلة وخارجها.

كانت الخازن هاوية، نعم، لكنها لم تكن هاوية عابرة. فقد دفعها شغفها إلى تعلّم تقنيات التصوير والتحميض، وإلى تجربة الزوايا والمنظور وترتيب المشاهد. وتصف الدراسات أعمالها بأنها تتجاوز التوثيق العائلي التقليدي إلى صور مصممة بعناية، تحمل خيالا وتمثيلا واضحين.


أرشيف إلى الضوء

بعد عقود من التقاط تلك الصور، كان لا بد من أن يأتي زمن تعود فيه ماري الخازن إلى الواجهة. فأسهم الباحثون وجامعو الصور والمؤسسات الثقافية في إعادة اكتشاف أعمالها، وفي مقدمتهم الدكتورة ياسمين نشابة طعان، التي قادها اهتمامها بصور الخازن إلى منزل العائلة في زغرتا، وإلى إجراء أبحاث أكاديمية وتأليف كتاب حول تجربتها. كما كان لـ "المؤسسة العربية للصورة" دور أساسي في حفظ هذا التراث الفوتوغرافي وإتاحته للبحث والدراسة.

وفي عام 2025، صدر كتاب "Pays amer" للكاتبة اللبنانية جورجيا مخلوف، وهو رواية مستوحاة بحريّة من حياة ماري الخازن، تجمع بين التاريخ والتصوير وقضية حرية المرأة. أما سنة 2026، فأُعيد تقديم أعمال الخازن أمام الجمهور اللبناني من خلال معرض استعادي في "المعهد العربي للمرأة" التابع لـ "الجامعة اللبنانية الأميركية" ضمّ أكثر من 60 صورة من مجموعتَي محسن يمّين و "المؤسسة العربية للصورة"، عُرض عدد كبير منها في لبنان للمرة الأولى.

واليوم، تعود صورها إلى إهدن في معرض يُقام في "مبنى الكبرى الأثري"، تنظمه جمعية "أزل" للتراث بالتعاون مع "الجامعة اللبنانية الأميركية" و "المؤسسة العربية للصورة".

عودة ماري الخازن إلى الضوء ليست مجرّد استعادة لاسم من الماضي. فربما لم تكن تتخيّل أن الصور التي التقطتها في منزلها وبين أهلها وأصدقائها ستعيش كل هذا الوقت. لكنها عاشت في الصور السلبية (négatifs) التي حُفظت، وفي الوجوه التي بقيت معلّقة داخل الإطار، وفي تفاصيل قرى شمال لبنان التي تغيّرت، وفي الأسئلة التي تثيرها صورها اليوم. وهنا تحديدًا تكمن قوة شغفها: لم تلتقط الصور فقط، بل أنقذت زمنًا كاملا من النسيان.

* يُفتتح معرض ماري الخازن الجمعة 25 أيلول 2026، الساعة 6:00 مساء، في "مبنى الكبرى الأثري" - إهدن، ويستمر يومي 26 و27 أيلول الجاري.

امرأتان بزي رجلين بكاميرا ماري الخازن

من هي؟

ولدت ماري الخازن عام 1899، ونشأت في كنف عائلة أرستقراطية في زغرتا. وفي منتصف عشرينات عمرها تقريبًا، تعرّفت إلى كاميرا "Eastman Kodak" المحمولة، التي كانت أسهل استخدامًا وأكثر ملاءمة للتصوير خارج الاستوديو. وسرعان ما تحوّل الفضول إلى شغف حقيقي، فذهبت أبعد من مجرّد التقاط الصور، وأنشأت في منزل العائلة غرفة تحميض خاصة بها، لتتمكن من تحميض صورها بنفسها.