ليلة السبت الماضي، نزلت بعلبك بقلعتها ومهرجانها إلى رأس بيروت. رسميون ومدعوون وجمهور اشتاق إلى اللحن والكلمة والأداء الغنائي اللبناني التقوا في "الأسامبلي هول" في "الجامعة الأميركية في بيروت" لاستعادة باقة أغنيات من 17 سنة من "الليالي اللبنانية" التي قُدِّمت في المهرجان الدولي.
اختار "برنامج زكي ناصيف للموسيقى" الذي تحتضنه "الجامعة الأميركية في بيروت" بالتعاون مع "لجنة مهرجانات بعلبك الدولية" الاحتفاء بسبعين سنة من عمر المهرجان الأول في لبنان (1956-2026) بأسبوع كامل من الأنشطة والفعاليات اختتم بأمسية موسيقية غنائية تحت عنوان "أصداء من التراث الموسيقي لمهرجانات بعلبك (1957-1974)" قاد خلالها المايسترو فادي يعقوب "الفرقة الموسيقية العربية" التابعة لـ "برنامج زكي ناصيف للموسيقى"، وغنّى خلالها الكورس بإدارة وتدريب منال أبو ملهب.
مختارات من أغنيات المشهديات والأوبريتات والمسرحيات التي قُدّمت في بعلبك خلال المرحلة الأولى من المهرجان، استمع إليها الحضور بإعداد موسيقي وغنائي احترم الأصل وحافظ عليه، فأعاد الجمهور إلى زمن كانت فيه الأغنية قصّة وكلمة وموضوعًا واللحن مواكبًا للمعنى والصوت موائمًا لروحية العمل.
بلحن "رقصة الأباريق" لزكي ناصيف من "مهرجان الفن الشعبي اللبناني" (1957) استُهلّت الأمسية، تلتها أغنية "طلّو حبابنا" لوديع الصافي (مصطفى محمود / زكي ناصيف) من "العيد في القرية - مهرجان الفن الشعبي اللبناني" (1959). ومن العمل نفسه قدّمت الفرقة "لالا عيني" لوديع الصافي أيضًا من كلمات وألحان زكي ناصيف، ثم "صبّحنا وفجر العيد" و "وحياتك يا درب العين" (نصري شمس الدين - مصطفى محمود / زكي ناصيف)، فـ "درب الغزلان" (وديع الصافي - زكي ناصيف / زكي ناصيف).
ووسط تفاعل الجمهور اختار معدو الحفل من "الشلال" (1963) لروميو لحود أغنية صباح "أهلا بهالطلة" لزكي ناصيف نظمًا ولحنًا، تلتها لصباح أيضًا من "الشلال" أغنية "يا طالعين من جبل لجبل" (عبد الجليل وهبي / فيلمون وهبي). ومن "أرضنا إلى الأبد" (1964) كانت أغنية "يا ليلى" (صباح - زكي ناصيف / زكي ناصيف)، و"نحنا الهوا وإنتو الشجر" (نصري شمس الدين - موريس عواد / وليد غلمية).
أغنيات السهرة توزّع أداؤها بين الكورس كاملا، فيما أدّى بعضها أصوات منفردة من بين أفراده، بإتقان بعيدًا من الاستعراض الأدائي ومن تقليد المؤدّين الأصليين لتلك الأغنيات.
من "القلعة" (1968)، أحد أبرز أعمال روميو لحود في "مهرجانات بعلبك"، استمع الحضور إلى "رجعنا بعد الغيبة" التي غنّتها صباح من نظم موريس عواد ولحن وليد غلمية، ثم "قديش قضينا سوا" (عصام رجي - روميو لحود / وليد غلمية)، و "وينك يا خيّال" (سمير يزبك - موريس عواد / وليد غلمية). بعدها كانت "قالو انطوى سيف البطل" (جوزيف عازار - موريس عواد / وليد غلمية)، و "يا مسافر" (صباح - روميو لحود / وليد غلمية). أما "قلعة كبيرة" (صباح - روميو لحود / وليد غلمية) التي استُعيدت سنة 1971 في "مهرجان" بعدما قُدّمت في "القلعة" (1968) أولا، فواكبها الجمهور الحاضر تصفيقًا وتردادًا لكلماتها كما كلمات سائر الأغنيات، والتي كانت تظهر مع المعلومات حولها بتقنية العرض على الجدران.
ومن مشاركة مجدلا في "فرمان" (1970) كان الخيار لأشهر أغنياتها في العمل المسرحي الذي قدّمها فيه روميو لحود لأول مرة، "تركوني أهلي بهالليل" (زكي ناصيف / زكي ناصيف) و "رايحة مشاوير بعاد" (زكي ناصيف / زكي ناصيف). قبل أن تغنّي المجموعة في تحية ختامية "قلعة كبيرة" من جديد، تلاها نشيد زكي ناصيف الأشهر "راجع يتعمر لبنان" من خارج سياق البرنامج.
أمسية "أصداء من التراث الموسيقي لمهرجانات بعلبك" سمحت لمن واكب جزءًا من تلك الحقبة من تاريخ لبنان الفني باستعادة ذكرى باقة من أجمل أغنيات "الزمن الذهبي" التي قُدّمت في أعمال مسرحية شهيرة أنتجتها لجنة المهرجان. ولعلّ هذه الخطوة تكون انطلاقة لفكرة يتبناها المهرجان بأن يستعيد في المواسم الصيفية المقبلة في القلعة أو حتى في المواسم الشتوية في أحد مسارح بيروت كل سنة توليفة مقتطفات من تلك المسرحيات أو مسرحية كاملة مع فنانين موهوبين ليتسنّى لجمهور جديد التعرّف على تلك الأعمال التي باتت من تاريخ المسرح والموسيقى والغناء في لبنان.
تبقى الإشارة إلى أنّ جمهور الأمسية دفع مجدّدًا ثمن خلاف ورثة الأخوين رحباني على حقوق أعمالهما، بأن خسر فرصة الاستماع إلى مختارات من أعمالهما وفيروز في بعلبك، بعدما فضّل معدّو السهرة على ما يبدو عدم الاقتراب منها!