ما كان عليه الذهاب. ما كان على الحياة ان تأخذ ما ليس لها. في أعوامه الأخيرة و هو على فراش المرض والشيخوخة تذكرت حين أصابت الأباتي بولس نعمان وعكة صحية منذ حوالي العشر سنوات ومكث آنذاك في دير سيدة البنات ليتعافى.
كنا نجلس سوية على شرفة ذاك الدير المطل على مدينة بيبلوس كما كان يحب أن يسميها وليس جبيل.
" بيبلوس كلمة تعني الكثير. تعني الابجدية والفكر وعلم البحار والحقوق وهوية لبنان الفينيقية."
اكثر ما كان يؤلمه حرب الاخوة بين الجيش والقوات.
عتبه كثير وكبير على العماد ميشال عون.
" لقد دمرنا"…
أما عن الحكيم (الدكتور سمير جعجع) فيقول: "صلب مارد. ضحى بحياته من أجل القضية".
"حاولت كثيرا وشاكر بوسليمان (رئيس الرابطة المارونية سابقا) أن نتدخل مع العماد عون لكن اصطدمنا بمواقفه. كان حلمه وهمًا".
بعد خروج الدكتور جعجع من السجن كانت الفرحة تعم قلبه. "لقد برم الدولاب" قال.
في اليوم الثاني ناداني: اتصل بصديقتك انطونيت جعجع لنأخد موعدًا من الحكيم. وهكذا فعلت. كان اللقاء نهار أحد في الارز. ونحن على طريق الوادي صعودًا أمرني بالتوقف جانبا. نزلنا من السيارة وقفنا على مقربة من ذاك المكان المقدس. "أرأيت تلك المغاور والكهوف المعلقة في تلك الجبال؟ يا له من تاريخ صعب عاشه أجدادنا. أترى الالم المتجسد على تلك الصخور؟ أترى ذاك الشلال إن مياهه المتدفقة ليست سوى دماء ودموع! أتسمع أنين الأطفال وعويل الأمهات اللواتي فقدن أزواجهن على يد الطغاة".
جاوبته: أباتي إنه قدرنا في هذا الشرق.
ما إن وصلنا الى منزل الدكتور جعجع حتى فرح باستقبالنا. أمضيا يومًا رائعًا معه. كانت الأحاديث تدور عن فترة السجن و غالبا عن التاريخ. في السياسة الداخلية حذره من بعض الحلفاء. كل ما كان يدور في فكره كان الحكيم يدركه. كانت الابتسامة لا تفارق ملامح وجهيهما.
اكثر من ست ساعات مضت كغفلة عين.
في طريق العودة مررنا الى بلدتي بزيزا _ الكورة حيث كان أبي وأمي وأخي بانتظارنا.
سأله والدي عن اللقاء جاوب: "لا أعرفه الا ماردًا. هو ابن بشري ابن المقاومة اللبنانية…"
"بتعرف شو؟ جعجع صبور. كان يدرك ان ميشال عون يريد أن يشن عليه حربًا. قال له ألف مرة الجنرال بيمون، محاولا نزع فتيل الحرب لكن الأخير بقي مصرًا على إقامتها… للأسف وحصل ما حصل…"
ما ان وصلنا الى مركز اقامته في الجامعة وقبل أن يودعني قال: "اسمع يا بني في كتير ابن صبحا…"
يتبع
رئيس بلدية بزيزا_ الكورة