في الفورمولا 1، هناك سباقات تبدو وكأنها تُحسم قبل أن تبدأ، أو هكذا توحي شبكة الانطلاق على الأقل. فالمركز المتأخر يعني ازدحاماً أكبر ومخاطرة أعلى وفرصاً أقل للوصول إلى الصدارة. لكن تاريخ البطولة شهد لحظات خالفت هذه الحسابات، عندما نجح بعض السائقين في تحويل أسوأ نقطة على شبكة الانطلاق إلى أعلى درجة على منصة التتويج.
وعلى مدى عقود تكرر هذا الإنجاز ست مرات عندما انطلق الفائز من المركز السابع عشر أو أبعد، ستة سباقات وقصص مختلفة وسيارات لا تشبه بعضها، لكن العامل المشترك بينها كان قدرة سائقيها على تجاوز صعوبة الانطلاق من الصفوف الخلفية والوصول إلى المركز الأول.
جائزة ديترويت الكبرى
البداية كانت مع جون واتسون في جائزة ديترويت الكبرى عام 1982، وصل البريطاني إلى السباق خلف مقود McLaren MP4/1 بمحرك Ford-Cosworth DFV V8، لكنه وجد نفسه في المركز السابع عشر على شبكة الانطلاق، في زمن كانت فيه التجاوزات أكثر صعوبة ولعبت موثوقية السيارة دوراً حاسماً في النتائج.
لم يكن الطريق إلى المقدمة سهلاً، إلا أن واتسون شق طريقه عبر المجموعة وتقدم تباعاً حتى وصل إلى المركز الأول، لينهي السباق بانتصار أصبح واحداً من أبرز انتصارات مكلارين في تلك الحقبة. وبعد عام واحد فقط، ذهب واتسون أبعد من ذلك.
جائزة الولايات المتحدة الغربية
ففي جائزة الولايات المتحدة الغربية في لونغ بيتش عام 1983، انطلق سائق مكلارين من المركز الثاني والعشرين، وهذه المرة على متن McLaren MP4/1C التي حملت أيضاً محرك Ford-Cosworth DFV V8. وكان في واحد من أبعد المراكز التي يمكن أن ينطلق منها سائق يطمح إلى الفوز بسباق في الفورمولا 1.
لكن واتسون قدم قيادة استثنائية، واستفاد من أخطاء منافسيه والمشاكل التي واجهتهم وتقدم مركزاً تلو الآخر حتى وصل إلى الصدارة. وعندما عبر خط النهاية أولاً، كان قد كسب 21 مركزاً، ولا تزال تلك العودة تحمل الرقم القياسي لأبعد مركز انطلاق انتهى بفوز في بطولة العالم للفورمولا 1.
جائزة ألمانيا الكبرى
واحتاجت البطولة إلى 17 عاماً لتشهد عودة أخرى من هذا النوع، وجاءت هذه المرة عبر البرازيلي روبنز باريكيلو في جائزة ألمانيا الكبرى عام 2000. كان باريكيلو يقود Ferrari F1-2000 بمحرك فيراري V10، لكنه بدأ السباق من المركز الثامن عشر. وما ميّز ذلك اليوم لم يكن السرعة وحدها بل الطريقة التي تعامل بها السائق البرازيلي مع الظروف المتقلبة. تغير الطقس وتبدلت الاستراتيجيات وتحولت الحلبة إلى سباق من القرارات بقدر ما كانت سباقاً للسرعة. وبقي باريكيلو على الحلبة في التوقيت المناسب واستغل كل فرصة أتيحت أمامه، ليجد نفسه في النهاية يحتفل بأول انتصار له في الفورمولا 1 بعدما بدأ السباق بعيداً جداً عن المقدمة.
جائزة اليابان الكبرى
وبعد خمسة أعوام، جاء الدور على كيمي رايكونن في واحدة من أشهر حلبات الفورمولا 1، سوزوكا. في جائزة اليابان الكبرى عام 2005، كان رايكونن يقود McLaren MP4-20 بمحرك Mercedes V10 وانطلق من المركز السابع عشر، بعدما وجدت السيارة التي امتلكت سرعة كبيرة في ذلك الموسم نفسها بعيدة عن المكان الذي تستحقه بسبب ظروف التجارب التأهيلية. وخلال السباق، بدأ رايكونن بالتقدم ومع كل لفة كان يقترب أكثر من الصدارة، قبل أن تتحول المنافسة في النهاية إلى معركة مباشرة على الفوز. وحسم الفنلندي السباق في اللفة الأخيرة بعد تجاوزه جيانكارلو فيسيكيلا، في انتصار جمع بين السرعة والجرأة والهدوء ولا يزال يُعد من أبرز سباقات رايكونن في مسيرته.
جائزة ساو باولو الكبرى
وبعدها، جاءت حقبة مختلفة تماماً بسيارات وتقنيات مختلفة. في جائزة ساو باولو الكبرى عام 2024، وجد ماكس فيرستابن نفسه في موقف غير مألوف بالنسبة إلى سائق اعتاد الانطلاق من الصفوف الأمامية. وبدأ سائق ريد بُل السباق من المركز السابع عشر خلف مقود Red Bull RB20 المزودة بوحدة طاقة Honda RBPT V6 Turbo Hybrid، قبل أن تقلب الأمطار كل الحسابات. وفي ظروف صعبة وعلى حلبة مبللة، بدأ فيرستابن بتجاوز السيارات واحدة تلو الأخرى واستفاد من قدرته على القيادة تحت المطر، قبل أن يصل إلى الصدارة ويحسم الفوز بفارق مريح. ولم يكن ذلك مجرد انتصار آخر لبطل العالم، بل واحداً من السباقات التي أظهر خلالها فيرستابن قدرته على تحويل يوم بدأ بصورة سيئة إلى فوز استثنائي.
جائزة إيطاليا الكبرى
وبعد عامين، أضيف فصل جديد إلى هذه القائمة، وهذه المرة على واحدة من أكثر الحلبات رمزية في الفورمولا 1: مونزا. في جائزة إيطاليا الكبرى عام 2026، اضطر كيمي أنتونيلّي إلى الانطلاق من المركز التاسع عشر خلف مقود Mercedes W17 بمحرك Mercedes V6 Turbo Hybrid. وبالنسبة إلى سائق مرسيدس الإيطالي، كانت المهمة أكثر صعوبة في سباقه على أرضه وأمام جماهيره، بعدما بدأ من الصفوف الأخيرة تقريباً.
لكن مونزا شهدت واحدة من أبرز العودة في السنوات الأخيرة. بدأ أنتونيلّي بالتقدم منذ اللفات الأولى واستفاد من سرعة سيارته واستراتيجية مرسيدس، قبل أن يجد نفسه في معركة على الصدارة. ومع اقتراب نهاية السباق، تمكن من تجاوز منافسيه وحسم الفوز، محولاً المركز التاسع عشر على شبكة الانطلاق إلى المركز الأول وسط احتفالات جماهيرية كبيرة.
وبانتصاره، دخل أنتونيلّي التاريخ من أكثر من باب، إذ أصبح صاحب ثاني أبعد انطلاقة انتهت بفوز في تاريخ الفورمولا 1 خلف واتسون فقط، كما حقق الفوز الإيطالي المنتظر في مونزا. والأهم أن انتصاره أكد أن العودة من الصفوف الخلفية لم تصبح مجرد قصة من الماضي، بل لا تزال ممكنة حتى في عصر الفورمولا 1 الحديث.
ستة انتصارات فقط عبر أكثر من أربعة عقود كانت كافية لإثبات أن الفورمولا 1 لا تسير دائماً وفق السيناريو المتوقع. من McLaren-Ford في الثمانينيات إلى Ferrari V10 في بداية الألفية، مروراً بـMcLaren-Mercedes ثم Red Bull-Honda وصولاً إلى Mercedes الهجينة الحديثة، تغيرت السيارات والمحركات والقوانين بشكل جذري.