حتى أيلول 2024، كان "حزب الله" لا يزال يخفي خطأ خياراته الاستراتيجية بورقة الحديث عن هذه الخيارات، وبأنّه قادر على توجيه ضربات قاسية لإسرائيل. كان أمينه العام، السيد حسن نصرالله، لا يزال يغطّي على هذا الضعف وعلى هذا الخطأ، وكان لدى أتباعه أمل بأنّه قادر على أن يفعل عندما يريد، وأنّه يملك القوة والوقت. ولكنّ الأيام أثبتت عكس هذه الخيارات وهذا الانتظار. بات الحزب يعيش، في أيامه الأخيرة، على تمنيات واهية بأنّه قد ينجو من القضاء عليه، وحتى مثل هذا الأمر، إذا حصل، يُعتبر انتصارًا.
لا تزال مسألة انخراط "الحزب" في حرب المساندة في 8 تشرين الأول 2023 تلقي بظلالها على خلفيات هذا القرار الذي راوح في دائرة أنّه لا يريدها ولا يمكنه أن يبقى خارجها. هذا التردّد في حدّ ذاته كان بداية الهزائم التي تعرّض لها ولا يزال. تكفي مقارنة بسيطة بين وضع "الحزب" عشية 7 تشرين الأول 2023 وبين ما يعيشه اليوم لمعرفة الفارق الكبير بين المرحلتين. قبل ثلاثة أعوام كان "الحزب" يهدّد بتدمير كل المواقع في إسرائيل وبالقضاء عليها ويعتبرها أوهن من بيت العنكبوت، بينما هو اليوم يكتفي بمحاولة تجنّب عدم القضاء عليه. خلال ثلاثة أعوام قلبت إسرائيل المعادلة.
بين نصرالله والسنوار لمن القرار؟
تفاجأ السيّد حسن نصرالله بقرار قائد حركة "حماس" في غزة يحيى السنوار شنّ عملية "طوفان الأقصى" فجر 7 تشرين الأول 2023. على رغم أنّه كان قبل أسابيع قد استقبل وفدًا من قيادة "حماس"، إلا أنّه لم يكن مطّلعًا على ما يخطّط له السنوار. حتى أنّ قيادة الحركة نفسها لم تكن تعلم. بحسب ما تسرّب بعد هذه العملية، قيل إن تبليغ نصرالله جرى من خلال اتصال مع أحد مساعديه قبل دقائق من العملية، وأنّه بعد ذلك تابع المجريات على الأرض من خلال وسائل الإعلام المتوفرة. طبعًا لم يكن من الممكن ولا من الوارد عند نصرالله أن يدخل في معركة لم يقرر هو ساعتها وساحتها وطريقة إدارتها. فهو كان دائمًا يلعب دور القائد ولم يكن ولا مرة ملحقًا. لذلك تعامل مع قيادة السنوار للمواجهة بكثير من الريبة والحذر. ولذلك كان خياره "المساندة" حتى لا يقال إنّه تخلّف عن نصرة فلسطين وغزّة. منذ تلك اللحظة ربّما أدرك أنّ الخسارة آتية لا محالة. وهو لذلك لم ينخرط في إعلان حرب كبرى حتى في أكثر اللحظات حراجة بالنسبة إليه.
من يَعبُر أولا؟
في 21 أيار 2023 نظم "حزب الله" مناورة عسكرية واسعة في منطقة عرمتى دعا إليها وسائل الإعلام تحت شعارات "العبور" نحو الجليل والتهديد بأنهم "قادمون". كانت تلك المناورة تعبيرًا عن خطة "حزب الله" لا عن خطة يحيى السنوار. وكانت تعبيرًا أيضًا عن أنّ "الحزب" يحتفظ لنفسه بالتوقيت المناسب، وبأنّه عندما يبدأ المعركة على السنوار أن يمشي وراءه. القاعدة عنده كانت أنّه هو من يقود طالما أنّه يدعم بالمال والسلاح وبالإيواء في الضاحية الجنوبية وغيرها. خالفت حسابات السنوار حسابات نصرالله الذي بقي متوجّسًا من هذه المغامرة. وقد أظهرت التطورات أنّ مخاوفه كانت مبرّرة بفعل الضربات التي تلقاها هو وحزبه ولم يكن من الممكن بالنسبة إليه أن يتلافاها.
أظهرت الأحداث أنّ نصرالله كانت لديه خطة يتمّ التحضير لها من خلال استراتيجة إيرانية أوسع تتعلّق أيضًا بالمشروع النووي الإيراني وبقضية الصواريخ البالستية. دور "الحزب" في المعركة كان جزءًا من التخطيط الإيراني وبالتالي لم يكن من الوارد أن يقوم "الحزب" منفردًا بأي معركة كبرى من هذا النوع ولذلك أيضًا كان نصرالله حذرًا من الإنجرار وراء السنوار. حتى داخل "الحزب" برزت تساؤلات حول عدم الرد الاستراتجي على إسرائيل والاكتفاء بالمساندة وهو السقف الذي تمسّك به نصرالله.
تجرّع الكأس المرّ
من البداية كان نصرالله يريد أن يفرض معادلة توازن الرعب التي كان اعتقد عن خطأ أنّها باتت قاعدة ثابتة بينما لم تكن كذلك بالنسبة إلى إسرائيل. لذلك كان أعلن عن معادلة تل أبيب مقابل الضاحية. وعن أنّ أمن المستوطنات من أمن القرى الحدودية، ولذلك، اعتبر أنّ قصف هذه المستوطنات وتهجير أهلها يمكن أن يضغط على الحكومة الإسرائيلية ولكن المعادلة تغيّرت سريعًا. في بداية أيلول بدا وكأنّ القرار الإسرائيلي الكبير قد اتُّخذ بتدمير قدرات "حزب الله" كما تم تدمير قدرات "حماس" في غزة. عميلة البيجر كانت المؤشر الأبرز على انتصار الخيارات الإسرائيلية. هذه العملية جعلت نصرالله يخاف ويعيد حساباته ويدرك أنه كان على مدى أعوام ارتكب خطأ لا يمكن أن يتجنّب دفع ثمنه، ولذلك حاول أن يتجنب تجرّع الكأس المرّ لأنّه لم يكن بالإمكان التراجع والعودة إلى الوراء، ولأنّ القرار بات مسألة إسرائيلية بحتة.
أكثر من تطور عسكري أجبر نصرالله على النزول إلى منشأته السرية تحت الأرض. اغتيال أقرب القادة العسكريين إليه فؤاد شكر في 30 تموز 2024. وتدمير كل أسلحة الحزب وصواريخه الاستراتيجية قبل دقائق من التحضير لموجة من القصف على إسرائيل. وتفجيرات البيجر في 17 أيول واغتيال ابراهيم عقيل وعدد من قادته العسكريين والأمنيين في 20 أيلول. بعد هذا الحدث اختفى نصرالله. حتى أقرب المقربين إليه لم يعرفوا أين هو. لا أولاده ولا نائبه الشيخ نعيم ولا الحاج وفيق صفا ولا خليفته السيد هاشم صفي الدين. كان نصرالله أعلن عن أنّ "الحزب" تلقّى ضربات موجعة وأنّه يحقّق في اختراق كبير في صفوفه، وأنّه ضيّق دائرة القرار إلى مستوى ضيّق جدًّا. ولكن كل ذلك لم يحل دون القضاء عليه في 27 أيلول.
ارتكاب الخطأ مرتين
أراد نصرالله النجاة من القدر ولكن من دون أمل. حاول "الحزب" من بعده بقيادة الشيخ نعيم قاسم أن يتجنّب القضاء عليه بالكامل ولذلك وافق على وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024. أراد أن يلتقط أنفاسه وأن يعيد بناء هيكليته العسكرية والأمنية ولكن سقوط النظام الأسد في سوريا كان أسرع. ومع ذلك استمر على هذا الرهان. في أول آذار 2026 دخل في حرب ثانية لمساندة إيران هذه المرة وانتقامًا لاغتيال المرشد علي الخامنئي. مرة ثانية إعتقد أنّه خرج من دائرة الاستهداف الإسرائيلي ولكن ظهر أنّ حساباته أيضًا كانت كارثية. وصلت القوات الإسرائيلية إلى شمال الليطاني. تعيش المستوطنات الإسرائيلية بأمان بينما تمّ تفريغ مناطق كاملة من سكانها في الجنوب وتم تدميرها. بعد سقوط قلعة الشقيف، ثم عليّ الطاهر، بدا وكأنّ "الحزب" بات من دون خطوط دفاعية وأنّه يريد أن يثبت وقفًا للنار يجنّبه القضاء عليه. لذلك راهن على التفاهم الأميركي الإيراني وهاجم اتفاق الإطار اللبناني الإسرائيلي الأميركي. ولذلك لم يعد يطلق أي صاروخ في إتجاه إسرائيل وإكتفى بالترويج لمسيّراته الإنقضاضية التي لا يمكنها أن تبدّل مسار الحرب، وترك عناصره في أرض المعارك من دون دعم أو توجيه يواجهون قدر القتل الأكيد.
ماذا بقي من "الحزب"؟
في أيلول 2026 يحاول "حزب الله" أن يستقوي على الدولة اللبنانية تعويضًا عن انهزامه المستمر أمام إسرائيل. ربّما يعتقد أنّه من خلال هذا الاستقواء يمكنه أن يحافظ على ما تبقى له من أسلحة وقوات عسكرية وأمنية وسلطة سياسية، وأنّه من خلال ذلك يمكنه في ظلّ تثبيت وقف النار أن يعيد بناء قدراته. ولكن الوقائع تدلّ إلى أن الحرب عليه لن تتوقّف ولن تعطيه إسرائيل أي فرصة لالتقاط أنفاسه. وبالتالي من مصلحته أن يسلّم أمره إلى الدولة والسلطة الشرعية وأن يتخلّى عن سلاحه. ولكنّه يعمل عكس ذلك. يعتقد أن إيران ستنتصر. وأن الحوثيين سيحتلّون اليمن ويقفلون باب المندب، وأنّ الحكم في لبنان سيسقط.
كل ذلك يشير إلى أن "الحزب" لم يتغيّر. تبدّلت الظروف والمعطيات ولكنّ رهاناته لم تتبدّل. وهو في البداية والنهاية يخضع للقرار الإيراني.