فادي بدران

بيروت التي كان يمكن أن تكون

4 دقائق للقراءة

بيروت مرّ عليها نيسان 1975 كما يمرّ أي ربيع آخر. لم تتحوّل شوارع وسطها إلى خطوط تماس، ولم تُهجر مبانيها، ولم تضطر العائلات إلى ترك بيوتها، واستمر قلب العاصمة في النبض من دون انقطاع.

لو لم تقع الحرب، لما بقي «وسط بيروت» عام 2026 كما كان عليه تمامًا سنة 1975. فالمدن ليست متاحف؛ المباني تختفي، والأحياء تتغير، وكل جيل يترك بصمته. لكن بيروت كانت ستتطوّر بشكل طبيعي، حاملة ماضيها معها نحو المستقبل، بدلا من أن تضطر إلى إعادة بنائه من بين الركام.

تخيّل أنك تتمشى اليوم في البلد. ربما كانت «ساحة الشهداء» ستصبح ساحة كبيرة للمشاة، تظلّلها أشجار زُرعت منذ عقود. كبار السن يتذكرون الأيام التي كانت فيها الحافلات وسيارات الأجرة تملأ أطرافها، بينما يعرفها الجيل الجديد مكانًا للحفلات والتظاهرات والاحتفالات والمشي في ليالي بيروت الطويلة.

وحولها، كان تاريخ المدينة المعماري سيبقى حاضرًا أمام أعيننا. مبانٍ عثمانية بواجهاتها الحجرية وشرفاتها الحديدية تقف إلى جانب عمارة زمن الانتداب الفرنسي. أبنية «الآرت ديكو» تتجاور مع مباني الخمسينات والستينات الحديثة، وخلفها ترتفع أبراج أُضيفت في الثمانينات والتسعينات والألفية الجديدة.

ربما لم يكن المشهد متناسقًا تمامًا، وربما كان ذلك تحديدًا سرّ جماله.

أما الأسواق القديمة، فكانت ستبقى بشوارعها الضيقة ومساراتها المتعرجة. وربما تحوّل «سوق الطويلة» مع الوقت إلى أحد أهم شوارع التسوّق في شرق المتوسط، حيث تقف العلامات التجارية العالمية إلى جانب محال لبنانية توارثتها العائلات جيلا بعد جيل. وفي زاوية ما، ربما كان صائغ عجوز يفتح كل صباح الباب الخشبي نفسه الذي فتحه جدّه عام 1935. خيّاط يعرف زبائنه بأسمائهم، ورائحة القهوة تخرج من مقهى شهد أجيالا من البيارتة، وتغيّرت حوله الموضة والسياسة والوجوه، فيما بقي هو في مكانه.

وفوق المحال التجارية، كان الناس سيستمرون في السكن في شقق شرفاتها مليئة بالنباتات والغسيل المنشور. أطفال يعودون من مدارسهم، وموظفون ينزلون من مكاتبهم لتناول الغداء. بقالة وفرن وصيدلية يعرف أصحابها سكان الحي. لأن وسط بيروت لم يكن ليصبح مجرّد مكان نزوره؛ كان سيبقى مكانًا نسكنه ونعيش فيه.

ربما كان التحوّل الأكبر سيحدث عند البحر مع تطوّر المدينة. كان يمكن للواجهة البحرية القديمة أن تتحول تدريجيًا إلى ممشى وحدائق ومطاعم ومساحات ثقافية. وكان يمكن للمرء أن يبدأ نهاره من «ساحة الشهداء»، ويعبر الأسواق القديمة، ثم يكمل سيره نحو المتوسط حتى يصل إلى الكورنيش، في رحلة واحدة متواصلة من قلب بيروت التاريخي إلى البحر الذي صنع جزءًا كبيرًا من هويتها.

وبالتأكيد، لم تكن بيروت عام 2026 لتكون مدينة مثالية. الازدحام وارتفاع أسعار العقارات والأبراج العشوائية والتغيير الاجتماعي كانت ستشكل تحديات حقيقية. وربما كانت بيوت جميلة ستختفي لتحل مكانها مشاريع جديدة. لكن المدينة كانت ستتغير ببطء، مبنى بعد مبنى، ومحلا بعد محل، وجيلا بعد جيل. وربما كان هذا بالتحديد أكبر ما خسرته بيروت: الاستمرارية.

فالمدن تكتسب معناها لأن الناس يرثونها. طفل يزور المقهى الذي كان يحبّه والده. تاجر يسلّم محلّه لابنته. شقة تتبدل العائلات التي تسكنها، لكن شرفتها تبقى تطل على الشارع نفسه. والمباني تكبر في العمر مع الناس الذين يعيشون داخلها.

من دون الحرب، ربما كان وسط بيروت اليوم مزدحمًا، صاخبًا، فوضويًا وغير متناسق معماريًا. لكنه كان سيبقى حيًا. كنت ستتمشى في البلد وترى 1880 و1930 و1965 و1995 و2026 واقفة جنبًا إلى جنب في الشارع نفسه. وربما كان البيارتة لا يزالون يقولون، ببساطة ومن دون التفكير في كل ما تحمله هذه الكلمات من ذاكرة: «يلا، ننزل عالبلد»، ليس لنبحث عن بيروت القديمة ولا لنتذكّرها... بل ببساطة لأن بيروت كانت لا تزال هناك.

* باحث في الذاكرة الحضرية وتاريخ بيروت