ميشال طوق

مكتومو القيد: الأزمة التي تكبر بصمت

4 دقائق للقراءة
هم أشخاص لا يظهرون في سجل المقيمين ولا في سجل الأجانب

ثمة أشخاص يولدون ويكبرون ويتزوجون وينجبون في لبنان، فيما تبقى الدولة، بعد كل ذلك، عاجزة عن الإجابة عن السؤال الأول الذي يفترض بأي دولة أن تجيب عنه: من هؤلاء؟ ليست المسألة هنا في بطاقة هوية ضائعة، ولا في إقامة منتهية الصلاحية، ولا حتى في أجنبي دخل البلاد بصورة غير شرعية ويمكن، نظريًا، تحديد جنسيته وإعادته إلى بلده. الحديث هنا، عن فئة أكثر التباسًا: أشخاص لا يظهرون في سجل المقيمين، ولا في سجل الأجانب، ولا في أي سجل لبناني آخر. هؤلاء هم مكتومو القيد.

ولكن، لا ينتمي جميع مكتومي القيد إلى الفئة نفسها. فالأمن العام يذكر بينهم من هم من أصول لبنانية، ومن ولدوا من آباء لبنانيين ولم تُستكمل إجراءات تسجيلهم، وهؤلاء لهم قضية مختلفة تتعلق بإثبات حق قد يمنحهم إياه القانون أصلا. لكن إلى جانب هؤلاء فئة أخرى أقل حضورًا في النقاش العام وأكثر إثارة للأسئلة: مكتومو القيد من أصول أجنبية مختلفة، الموجودون في لبنان منذ سنوات من دون وثائق تثبت هويتهم أو جنسيتهم، والذين تزوج بعضهم وأنجب أولادا لم يسجلوا لا في لبنان ولا في بلدهم الأصلي. هذا الوصف ليس استنتاجًا سياسيًا، هو وارد حرفيًا في تصنيف المديرية العامة للأمن العام. والأكثر لفتًا أن المديرية نفسها تقول إنه لا توجد إحصاءات دقيقة لأعداد هذه الفئة. وهنا يبدأ بيت القصيد.

فالخطر الذي ينبغي مناقشته ليس وجود أجنبي في لبنان، ولا اللجوء بحد ذاته، ولا حتى مخالفة الإقامة التي تبقى حالة قانونية معروفة يمكن تحديد صاحبها وجنسيته. الخطر يبدأ عندما تضيع الصفة القانونية نفسها. شخص جاء من دولة ما، لكن أوراقه لم تعد موجودة أو لم تعد كافية لإثبات جنسيته، ثم يتزوج شخصًا في وضع مشابه، ويولد طفل لا يُسجّل في بلد الأصل ولا في لبنان. ومع مرور السنوات، لا تعود الدولة أمام أجنبي تعرف من أين أتى، بل أمام عائلة كاملة يحتاج تحديد أصلها إلى تحقيق ووثائق وشهادات وربما قضاء. وإذا بقيت الحال على ما هي عليه، فإن المسألة لا تختفي مع الزمن، بل يمكن أن تنتقل من جيل إلى آخر. والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تؤكد بدورها أن انعدام الجنسية في لبنان يتفاقم عندما ينتقل الوضع غير المحسوم إلى الأبناء، فيما لا يملك لبنان حتى اليوم رقمًا رسميًا شاملا لحجم الظاهرة.

وهنا أيضًا يجب تجنب لخط آخر شائع. ليس كل لاج مخالف للإقامة مكتوم القيد، ولا كل فلسطيني بلا أوراق عديم الجنسية، ولا كل طفل لوالدين أجنبيين يولد في لبنان يدخل حكمًا في هذه الفئة. الجنسية الأصلية قد تبقى قائمة حتى عندما تكون الإقامة غير شرعية أو المستندات ناقصة. لذلك لا تكمن القضية في جمع كل الأجانب تحت عنوان واحد، بل في استخراج الفئة التي لم يعد ممكنًا تحديد جنسيتها بصورة واضحة من هذا الخليط، قبل أن تصبح إعادة تركيب أصلها بعد عقود أكثر صعوبة.

أما أن تبقى الدولة بلا رقم، فهذه ليست تفصيلا إداريًا. لأن الدولة التي لا تعرف عدد الأشخاص غير المثبتة هويتهم على أرضها لا تستطيع أن تعرف حجم المشكلة التي ستواجهها بعد 10 أو 20 عامًا، ولا عدد الأولاد الذين قد يحتاجون لاحقًا إلى إثبات جنسية أو نسب أو تسجيل. وفي بلد كلبنان، حيث تتقاطع مسائل الجنسية والإقامة واللجوء والديموغرافيا منذ تأسيس الدولة، يصبح ترك هذه المنطقة الرمادية تتسع عامًا بعد عام سياسة بحد ذاتها، حتى وإن كانت سياسة عدم فعل شيء.

وقد التقط مجلس النواب جانبًا من هذه المعضلة عام 2023. ففي مناقشات لجنة الإدارة والعدل حول مكتومي القيد، جرى التشديد على معادلة دقيقة: حماية حق مكتومي القيد اللبنانيين الأصل من جهة، ومنع استخدام أي ثغرة تسمح لغير اللبناني بالحصول على الجنسية من جهة أخرى. وهذا التمييز هو، في الحقيقة، مربط الفرس: تسوية الوضع القانوني لا تعني التجنيس.

الحل يبدأ، إذًا، قبل الحديث عن الجنسية: إحصاء مستقل لهذه الفئة، تحديد الأصل متى أمكن، مراجعة سجلات بلد المنشأ عبر القنوات الرسمية والقنصلية، تثبيت من يحمل جنسية أجنبية على أساسها، وإنشاء وضع قانوني واضح للحالات التي يتعذر حسم جنسيتها، مع تسجيل كل ولادة بحيث لا تتحول مشكلة الأب إلى إرث قانوني للابن. أما من يثبت أنه لبناني الأصل، فله مساره المختلف تمامًا.

فليس المطلوب أن يصبح كل من يعيش في لبنان لبنانيًا، ولا أن يُترك من يعيش فيه خارج كل تعريف. المطلوب أبسط من ذلك وأصعب في الوقت نفسه: أن تعرف الدولة من دخل إليها، ومن وُلد فيها، وإلى أي دولة ينتمي، ومن لا ينتمي قانونًا إلى أي دولة.

لأن المشكلة الأخطر ليست أن لبنان يستضيف أشخاصًا من أصول مختلفة، لبنان فعل ذلك طوال تاريخه. المشكلة أن يأتي يوم نجد فيه أجيالا من الغرباء وُلدت على أرضنا، لا تعرف لهم الدولة أصلا أو جنسية، والخوف هنا من سياسات التجنيس العشوائية. لذا، ندق اليوم ناقوس الخطر...