في طهران، هناك معادلة جديدة. هكذا على الأقلّ يريد المسؤولون الإيرانيون تقديم المشهد بعد الحرب: الجمهورية الإسلامية اليوم ليست الجمهورية الإسلامية بالأمس، شروطها تغيّرت، وعلى الولايات المتحدة أن تنفّذ أوّلًا، وإلّا فلا تفاوض ولا فتح لمضيق هرمز. لكن بين توصيف المعادلة والوقائع التي أنتجتها، مساحة تستحق التوقّف عندها. فإيران التي ترفع اليوم سقف شروطها ليست إيران التي دخلت جولات التفاوض السابقة وهي تحتفظ بمجموعة واسعة من أوراق النفوذ الإقليمي.
الحرب استنزفت قدرات طهران العسكرية، والاقتصاد يدفع كلفة المواجهة، إذ ارتفعت نسبة التضخم مع تصدّع قطاعَي الصناعة والخدمات، إضافةً إلى شلل في البنية التحتية والوظائف. ناهيك عن السقوط التاريخي للريال، إذ تواصل انهيار العملة ليبلغ سعر الدولار الواحد 2.3 مليون ريال في السوق الحرة، مع أزمة الوقود وأزمة الدواء والغذاء، فيما بات هرمز في صدارة ما تبقى من أدوات الضغط الإيرانية. ومع ذلك، يقدّم الخطاب الإيراني كلّ ذلك باعتباره انتقالًا إلى موقع تفاوضي أفضل.
من هنا، يصبح مثيرًا للاهتمام أن تكون أبرز علامات المعادلة الجديدة هي رفض العودة إلى المفاوضات بالشكل السابق والتمسّك بالمضيق ومطالبة واشنطن بالتنفيذ أوّلًا. تحدّث أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني اللواء محسن رضائي عن سبعة شروط إيرانية نُقلت إلى باكستان وقطر والعراق، واختصر الموقف بالقول إنه ما لم تنفّذ أميركا الشروط الإيرانية أوّلًا، فلن يُفتح هرمز ولن تتفاوض إيران. وبحسب منطقه، فإنّ إيران باتت اليوم في موقع مختلف وأكثر اقتدارًا ممّا كانت عليه قبل الحرب. لكن إذا كانت طهران في "نقطة الذروة"، كما يقول الخطاب الإيراني، فلماذا أصبحت الحاجة إلى ضمانات مسبقة أكبر، لا أصغر؟
هنا تظهر المفارقة. فالدولة التي تقول إنّها خرجت أقوى من المواجهة لا تريد دخول المفاوضات قبل أن تحصل على مقابل، ولا تريد التخلّي عن محاولاتها لعرقلة الملاحة في هرمز قبل ضمان ما ستحصل عليه بعدها. وهذا لا يثبت بحدّ ذاته ضعفًا إيرانيًا، لكنه يكشف على الأقلّ أن طهران تتعامل مع أوراقها المتبقية بحذر أكبر بكثير ممّا يوحي به خطاب الانتصار. حتى اللقاء الأخير في نيويورك أظهر هذه الحساسية. فبعد جمود تخلّلته ضربات محدودة، عاد التواصل بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف بوساطة قطرية. وما وُصف أميركيًا بالإيجابي أثار سريعًا اعتراضات داخل إيران.
رأى عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي أن عقد لقاء بعدما كانت الشروط الإيرانية قد نُقلت مسبقًا قد يُفهم باعتباره "علامة ضعف". وسائل إعلام محافظة دخلت بدورها على خط الانتقاد، فيما بدا عراقجي كأنه يتحرّك بين حاجتين متناقضتين: إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحًا، وعدم إعطاء الانطباع بأن الضغط الأميركي هو الذي أعاد طهران إليه. وهذا ربّما ما يفسّر جانبًا كبيرًا من المعادلة الجديدة.
فإيران لا تريد فقط انتزاع شروط أفضل، بل تريد إعادة تعريف الصورة التي تدخل بها إلى التفاوض. لذلك، يتحوّل مضيق هرمز من ورقة داخل المفاوضات إلى شرط قبلها، وتتحوّل العودة إلى الحوار من تنازل محتمل إلى دبلوماسية جديدة، وتصبح مطالبة الطرف الآخر بالتنفيذ أوّلًا دليلًا على الاقتدار. لكن تغيير أسماء الأشياء لا يُغيّر بالضرورة موازينها. ولهذا، قد يكون السؤال الأهمّ في المرحلة المقبلة ليس ما إذا كانت إيران قد رفعت سقف شروطها، فهذا واضح، بل ما إذا كان ارتفاع السقف يعكس فعلًا ارتفاعًا في قدرتها على فرضه، أم أنه محاولة لتعويض ما خسرته منذ بدأت الحرب؟