كلارا جحا

واشنطن للبنان: توقّفوا عن طلب التمديد لـ"اليونيفيل"

4 دقائق للقراءة
مغادرة القوّات تحتاج إلى وقت وإلى تنسيق دقيق

"دايمًا بالآخر في آخر، في وقت فراق"...تختصر أغنية السيّدة فيروز مصير "اليونيفيل" مع اقتراب نهاية ولايتها في جنوب لبنان. لكنّ الوداع، بعد 48 عامًا، لا يبدو تفصيلا إداريًا في مهمّة أممية شكّلت واحدة من أطول بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في العالم.

فهذه القوة التي وصلت جنوب لبنان في 23 آذار 1978، تنفيذًا للقرارين 425 و426، إلى أرضٍ تحت الاحتلال الإسرائيلي، تستعدّ للمغادرة على وقع الاحتلال، وكأن تاريخًا لم يمرّ، تاركةً السؤال الأكثر إلحاحًا: من سيتسلّم الأرض بعد رحيلها؟


رسالة أميركية: ابحثوا عن البديل

تؤكد مصادر دبلوماسية أميركية لـ"نداء الوطن" أن الإدارة الأميركية أبلغت الجانب اللبناني على هامش الاجتماعات في نيويورك رسالة مباشرة وواضحة مفادها: "توقفوا عن المطالبة بتمديد مهام اليونيفل، لن يحدث ذلك، إبحثوا عن البديل".

وبحسب هذه المصادر، بدأ رئيس الحكومة نوّاف سلام المطالبة بتأليف قوة أوروبية دولية بديلة عن اليونيفل، فيما تعمل كلٌ من فرنسا وايطاليا على صيغة بديلة للقوّات الأمميّة، إلاّ أن ذلك غير محسوم نظراً لأن الموقف الأميركي والاسرائيليّ من الجانب الفرنسي لم يتغيّر، والفيتو الأميركي ما زال قائماً على كلٍ من فرنسا وإسبانيا، واللافت، بحسب المصادر الدبلوماسية الأميركية، أنّ سلام يتجنّب، بناءً على طلب أميركي، لقاء المسؤولين الفرنسيين في نيويورك، خشية أن يؤثّر ذلك في علاقته مع الأميركيين.

كما تؤكد معلومات "نداء الوطن" أن أميركا ستكون في صلب مرحلة ما بعد "اليونيفيل"، والمفاوضات اللبنانية-الاسرائيليّة هي التي ستحسم صورة القوّة البديلة.

لكن قبل اتضاح صورة البديل، كيف ستغادر "اليونيفيل"؟

في 28 آب 2025، قرر مجلس الأمن تمديد ولاية "اليونيفيل" للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، وبحسب هذا القرار فإنه بعد هذا التاريخ يتعين على القوة الأمميّة تقليص قوامها تدريجيًّا، وإيقاف عمليّاته المرتبطة بتطبيق القرار 1701 من كتابة تقارير الخروقات، وارسال الدوريّات الاستطلاعيّة، والتنسيق بين الجانبين الإسرائيلي واللبناني، ومرافقة الجيش اللبناني في جولاته، وتقديم المساعدات الإنسانيّة، وابتداءً من شهر كانون الثاني 2027 تبدأ القوّات الأمميّة بانسحاب آمن وتدريجي خلال عام 2027.


انسحاب معقّد ونصف المواقع تحت السيطرة الإسرائيلية

مصادر من اليونيفل تؤكد لـ"نداء الوطن" أن مغادرة عناصر "اليونيفيل" هي "عملية لوجستية ضخمة ومعقّدة" تمتد على مدى أشهر عدّة، وتمثل تحديًا حتى في أفضل الظروف، كيف بالحريّ في ظل الظروف الصعبة الراهنة، أضافت المصادر يجري حاليًّا وضع خطّة انسحاب قوّات الطوارئ الدوليّة بالتنسيق مع الدول المساهمة والحكومة اللبنانيّة، إذ ما زال في لبنان 7500 عسكري من 46 دولة مشاركة في "اليونيفيل" سيغادرون لبنان بشكل تدريجي، نتحدث هنا عن 50 موقعًا، بينها ثكنات كبيرة تضمّ معدات وذخائر وآليات وأثاثًا، وأدوات كهربائيّة وغيرها، مثال على ذلك بحسب المصادر أن الناقورة وحدها فيها 2000 عسكري من "اليونيفيل".

وبالتالي فإن مغادرة قوّات "اليونيفيل" تحتاج إلى وقت وإلى تنسيق دقيق بين أطراف الصراع والدول المشاركة لتأمين سلامة القوّات، من خلال وضع نقاط أمان محدّدة وصولا إلى المطار، كما أنه يجب تسليم هذه المواقع للجيش اللبناني قبل المغادرة.

وتؤكد المصادر أنه استنادًا إلى القرار الأممي، كان من المفترض تسليم كل مواقع "اليونيفيل" للدولة اللبنانيّة أكان للجيش أو لقوى الأمن الداخلي، ولكن بسبب الحرب الثانية التي بدأت في الثاني من آذار الماضي، الوضع اختلف نظرًا لأن نصف مواقع قوّات الطوارئ تحت السيطرة الاسرائيليّة في المنطقة الصفراء، وبالتالي السؤال هو: لمن سيتم تسليم هذه المراكز عند المغادرة؟ وهل من الممكن أن تبقى خالية؟

مصادر من اليونيفيل أكدت أن أيًّا من عناصر قوّات الطوارئ الدولية لم يغادر لبنان، كما أنها لم تُخلِ مواقعها حتى في عمق العمليات الاسرائيليّة، أما التوقف عند تخفيض عديدها الذي كان سابقًا 10 آلاف عنصر، فيعود إلى تخفيض 25% من العديد سابقًا بسبب الأزمة المالية ونقص السيولة التي عانت منها كل مؤسسات الأمم المتحدة في العالم.

هكذا، لا يقتصر موعد 31 كانون الأول على نهاية مهمة استمرّت قرابة نصف قرن، إنه بداية اختبار لم تتّضح شروطه بعد. فالخلاف على القوة البديلة لم يُحلّ، والمواقع التي يُفترض تسليمها ليست كلّها في متناول الجيش، والاحتلال الذي رافق وصول "اليونيفيل" يعود ليعقّد رحيلها.