تستعيد بيروت هذا الأسبوع موقعًا افتقدته طويلًا على خريطة الطيران الدولية، مع عودة "Transavia" إلى مطار رفيق الحريري الدولي في 25 أيلول، تليها "Air France" في 26 منه، في تطور يتجاوز في دلالاته زيادة عدد الرحلات بين لبنان وفرنسا إلى ما بات يعكسه المطار من صورة مختلفة لدى عدد من شركات الطيران والعواصم المعنية مباشرة بسلامة الملاحة الجوية.
لم يكن المسار الفرنسي منفصلًا عن مسار أوسع بدأ يظهر على أكثر من خط دولي، ففي 21 تموز الماضي، وخلال زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، أثار عون مسألة إعادة الربط الجويّ المباشر بين لبنان والولايات المتحدة، وبعد اللقاء، أعلن ترامب أنه وجّه إدارته للسماح لشركات الطيران الأميركية بتسيير رحلات مباشرة إلى لبنان. ومن هنا، لم تعد عودة "Air France" و"Transavia" حدثًا فرنسيًا منفردًا، بل حلقة ضمن مسار متدرّج لإعادة وصل بيروت بشبكات الطيران الغربية والعربية، في ظل استمرار حركة الطيران من المملكة العربية السعودية وإليها عبر بيروت.
وفي القراءة السياسية لهذا المسار، بدت الثقة بالمطار مرتبطة مباشرة بما حصل داخله وحوله، تشديد الإجراءات، رفع مستوى الانضباط الأمني، توسيع التنسيق بين الأجهزة، والعمل على حصر إدارة المرفق وقراره بالدولة ومؤسساتها، وهي إجراءات وضعت المطار في موقع متقدم ضمن مسار أوسع سعت من خلاله الحكومة إلى تعزيز سيادتها على المرافق العامة والمعابر الجوية والبحرية والبرية، بالتوازي مع تثبيت مرجعية المؤسسات الرسمية فيها.
وبذلك، سبق المطار في جانب من جوانبه مسارًا لا يزال لبنان يحاول استكماله على المستوى الوطني، ضبط المداخل والمخارج، حصر المسؤولية الأمنية بالدولة، ورفع قدرة المؤسسات الرسمية على مراقبة ما يدخل البلاد وما يخرج منها ومنع سيطرة الدولة العميقة على منافذ الدولة اللبنانية.
رسامني: كل خط يستعاد يفتح نافذة على الاقتصاد
وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني رحب بعودة "Air France" و"Transavia" إلى بيروت، ورأى في هذه الخطوة دلالة واضحة على تعزيز الثقة بلبنان وبمطار رفيق الحريري الدولي، وتأكيدًا لمكانة بيروت على شبكة الطيران الدولية.
وأشار رسامني إلى أن الوزارة عملت منذ اليوم الأول على توسيع الربط الجويّ للبنان، لأن كل خط استعيد وكل شركة عالمية عادت كان له أثر مباشر على السياحة والاستثمار وحركة الأعمال، وعزّز صلة لبنان باغترابه. وأضاف أن عودة "Air France" شكّلت محطة مهمة في هذا المسار ورسالة إيجابية إلى الأسواق وشركات الطيران والمسافرين حيال حيوية قطاع الطيران اللبناني وقدرته على مواصلة النمو والانفتاح.
ولفت إلى أن العمل تواصل على تطوير مطار رفيق الحريري الدولي ومطار رينيه معوض – القليعات، ورفع جهوزيتهما وتعزيز معايير الأمن والسلامة والخدمات فيهما، بما شجع مزيدًا من شركات الطيران الدولية على توسيع عملياتها في لبنان.
رجي: ثقة متجددة بلبنان
وفي هذا السياق، رحّب وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي بقرار الخطوط الجوية الفرنسية استئناف رحلاتها إلى مطار رفيق الحريري الدولي، واعتبره قرارًا يحمل دلالات تتجاوز بعده التشغيلي.
وأكد رجي لـ"نداء الوطن" أن عودة الرحلات الفرنسية عكست "ثقة متجددة بلبنان وبقدرته على تأمين حركة الطيران المدني"، كما أكدت عمق الروابط التاريخية التي جمعت بيروت وباريس.
أضاف أن الخطوة لبّت حاجة ملحّة لآلاف العائلات اللبنانية والفرنسية - اللبنانية وللمغتربين الذين تطلعوا إلى التواصل مع وطنهم، فضلًا عن دعمها قطاعي السياحة والاقتصاد في هذه المرحلة الدقيقة.
وتوجّه رجي بالشكر إلى السلطات الفرنسية وإلى الشركة الناقلة على هذه الخطوة، وأكد أن وزارة الخارجية واصلت، بالتنسيق مع الوزارات والأجهزة المعنية، العمل على تعزيز سلامة الملاحة الجوية وتسهيل عودة سائر شركات الطيران إلى لبنان.
الحجار: نقلة نوعية في أمن المطار
أما وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار، فوضع عودة شركات الطيران في صلب مسألة الثقة بالدولة ومؤسساتها، وربطها بصورة مباشرة بالإجراءات الأمنية التي اتخذت داخل المطار.
وأكد الحجار لـ"نداء الوطن" أن عودة شركات الطيران إلى لبنان شكّلت "مؤشرًا على الثقة بالدولة اللبنانية ومؤسساتها"، كما عكست بشكل أساسي الثقة بالإجراءات والتدابير الأمنية التي اتُّخذت في مطار رفيق الحريري الدولي – بيروت.
وأشار إلى أن الجهود التي بذلتها وزارة الداخلية والبلديات وجهاز أمن المطار، بالتعاون مع الوزارات والإدارات المعنية وسائر الأجهزة الأمنية، أسهمت في إحداث "نقلة نوعية" في الواقع الأمني والتنظيمي للمطار.
أضاف أن هذه الإجراءات عززت مستوى الأمان والانضباط، بما أمّن أفضل الظروف للمغادرين والوافدين إلى لبنان.
ولفت الحجار إلى أن وزارة الداخلية استمرت في تعزيز الإجراءات الأمنية في محيط المطار وعلى الطريق المؤدية إليه حفاظًا على سلامة المواطنين والمارة، في إشارة إلى أن المعالجة لم تقتصر على حرم المطار، بل شملت البيئة الأمنية المحيطة به أيضًا.
وحول مطار رينيه معوض في القليعات، أكد الحجار أن العمل جرى لاستكمال الترتيبات والإجراءات الأمنية اللازمة تمهيدًا لتشغيله وانطلاق الرحلات منه في المستقبل القريب.
وشدد على أن الهدف كان "توفير بيئة آمنة تليق بلبنان وبمكانته، وتعيد إليه دوره الطبيعي بين دول العالم".
عزيز: "Transavia" اليوم والـ"Air France" غدًا
أما مدير الهيئة العامة للطيران المدني اللبناني الكابتن محمد عزيز، فأكد لـ"نداء الوطن" أن لا مشكلة تقنية حالت دون عودة شركات الطيران الفرنسية إلى لبنان.
وأشار إلى أن "Transavia" ستستأنف رحلاتها إلى بيروت في 25 أيلول، فيما تعود "Air France" في 26 منه، وقال عزيز إن "عودة شركات الطيران الفرنسية جاءت بعد اتصالات أُجريت معها".
أضاف أن الشركات الفرنسية رأت أن مختلف شركات الطيران عادت إلى بيروت، بما فيها شركات أوروبية، وبالتالي لم يعد هناك ما منعها من استئناف رحلاتها إلى لبنان.
وردًا على سؤال عمّا إذا كانت الرحلات ستكون مشتركة مع شركة "طيران الشرق الأوسط"، أوضح عزيز أن الأمر يتعلق برحلات مشتركة مع "الميدل إيست" في ما خص طيران الـ"Air France".
وحول التدابير الأمنية والتشغيلية التي رافقت العودة الفرنسية، قال إن الشركات اعتمدت بروتوكولات خاصة بها، وإن بعض الإجراءات الإضافية نفذتها الشركات نفسها.
ولفت إلى أن من بينها عمليات تفتيش إضافية للطائرة قبل صعود الركاب إليها، موضحًا أن هذه التدابير اعتمدتها الشركات البريطانية وفق إجراءاتها الخاصة، كما حصل مع بعض الرحلات المتجهة إلى لندن وفرنسا.
وأشار عزيز إلى أن أهمية عودة الشركات الفرنسية لم تقتصر على الجانب التشغيلي، بل شملت تعزيز الربط الجوي، أو الـ"Connectivity"، مع ما حمله ذلك من أبعاد سياسية وأمنية.
وردًا على سؤال عن عدد الرحلات بين بيروت وفرنسا، أوضح أن العدد سيزداد مع عودة الشركات الفرنسية، ولا سيما بعدما كانت "Transavia" قد أوقفت رحلاتها، أي أن الرحلات اليومية الى باريس ارتفعت الى فوق الـ3 رحلات، أما الى فرنسا ككل فهي بين 3 الى 5 يوميًا.
إذاً، تكتسب عودة الشركتين الفرنسيتين بعدًا يتجاوز العلاقة التقليدية بين بيروت وباريس، فالقرار التجاري لأي ناقلة دولية بقي مرتبطًا أولًا بتقييم المخاطر وسلامة التشغيل، وهو ما ظهر مرارًا خلال العامين الماضيين عندما أوقفت شركات عالمية رحلاتها إلى بيروت مع كل تصعيد أمني، ففي أيلول 2024، أوقفت "Air France" رحلاتها إلى بيروت مع ارتفاع مستوى التوتر في المنطقة، كما علّقت شركات دولية عديدة عملياتها أو عدّلت جداولها لأسباب أمنية.
لكن صورة أيلول 2026 جاءت مختلفة، شركات تعود إلى بيروت في الوقت الذي اتسعت فيه القيود على قطاع الطيران الإيراني، وكان لبنان قد سبق إلى وقف دخول رحلات إيرانية في شباط 2025، في قرار أثار يومها اعتراضات واحتجاجات قرب المطار، قبل أن تتوسع لاحقًا العقوبات والقيود الدولية على شركات الطيران الإيرانية، وفي 8 أيلول 2026، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات واسعة استهدفت ما وصفته بجميع شركات الطيران الإيرانية المتبقية، فيما كانت عقوبات أوروبية قد طالت منذ 2024 شركات من بينها "Iran Air" و"Mahan Air" و"Saha Airlines".
وهكذا، بدا المشهد ذا دلالة سياسية لا يمكن فصلها عن حركة الطيران نفسها، فيما تضيق هوامش عمل شركات إيرانية تحت وطأة العقوبات والقيود، أعادت شركات أوروبية حساباتها تجاه بيروت، وبدأت خطوط كانت غائبة تستعيد مكانها على المدرج اللبناني.