بينما كانت نيويورك تستضيف أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتزدحم قاعاتها بخطابات قادة العالم حول الحروب والأزمات ومستقبل النظام الدولي، كان المشهد الأكثر دلالة على موازين القوة يتشكّل في واشنطن، حيث استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظيره الصيني شي جينبينغ الذي يجري زيارة دولة إلى الولايات المتحدة، ثم جلس الرئيسان إلى طاولة القمة. وحرص ترامب على استقبال شي شخصيًا في قاعدة أندروز، في مشهد يعكس مزيجًا من التنافس والمصالح.
فالأمم المتحدة تعرض صورة العالم كما هو، أما العلاقة بين واشنطن وبكين فتسهم في تحديد صورة العالم المقبل. الولايات المتحدة والصين ليستا حليفتين، ولا يمكن اختزال علاقتهما في مفهوم الحرب الباردة التقليدية. إنهما قوتان تتنافسان على التجارة والتكنولوجيا والنفوذ وسلاسل الإمداد، وتحتاج كلّ منهما إلى الأخرى اقتصاديًا واستراتيجيًا. وهنا تصبح زيارة شي إلى واشنطن أكثر من مناسبة بروتوكولية. فدفء الاستقبال لا يعني انتهاء الخلافات، كما أن الخلافات لا تلغي الحوار. ويمكن اختصار العلاقة بمعادلة: خصم من دون عداوة، وتعاون من دون تحالف.
في التجارة، يحاول الطرفان الحفاظ على هدنة حالت دون عودة التصعيد الجمركي، فيما تبقى المعادن النادرة والتكنولوجيا وسلاسل التوريد في قلب الحسابات. فالمعادن الحرجة وأشباه الموصلات جزء من بنية الصناعات المتقدّمة، من الطاقة والاتصالات إلى الذكاء الاصطناعي. ولذلك أصبحت سلاسل الإمداد أداة للقوة الجيوسياسية، فيما أُعلن تمديد الهدنة التجارية حتى 10 كانون الثاني المقبل.
وتبقى تايوان في مكان أكثر حساسية. فبكين تعتبرها قضية سيادية، بينما ترتبط واشنطن وتايبيه بعلاقات سياسية وأمنية وقانونية تجعل الملف معقّدًا. أما إيران، فتضيف طبقة أخرى من الحسابات، فيما يبقى موقع روسيا جزءًا من المشهد الأوسع للتنافس على النظام الدولي.
يمكن فهم هذا السلوك من خلال نظرية الألعاب (Game Theory). ففي اللعبة المتكرّرة، لا يهتم اللاعب بما يربحه الآن فقط، بل بما سيحدث في الجولة التالية. لذلك يصبح إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة جزءًا من إدارة المنافسة، إذ قد تدرك القوتان أن كلفة انهيار العلاقة أكبر من مكاسب مواجهة واحدة. لكن المفاجأة الأبرز في هذه القمة ليست التجارة ولا حتى تايوان. إنها التكنولوجيا، وبالأخص الذكاء الاصطناعي.
في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول، أعلن ترامب أنه سيعتمد رسميًا في الوثائق الأميركية تسمية Super Intelligence، أي "الذكاء الفائق"، بدل Artificial Intelligence، أي "الذكاء الاصطناعي"، واختصارها "SI" بدل "AI". قد يبدو الأمر تغييرًا لغويًا، لكنه يكتسب دلالة خاصة في قلب المنافسة الاستراتيجية مع الصين، إذ يعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من مجرّد قطاع تكنولوجي إلى أحد مؤشرات القوة الوطنية، ومن سؤال من يملك السلاح الأقوى إلى سؤال من يملك القدرة التكنولوجية والمعرفية الأكثر تقدّمًا.
وهذا ما يجعل عبارة "سباق التسلّح" التي اختصرت القرن الماضي بحاجة إلى قاموس جديد. فنحن أمام سباق آخر، أقلّ وضوحًا في حدوده وأكثر اتساعًا في تطبيقاته: سباق الذكاء الاصطناعي، أو وفق تسمية ترامب، سباق "الذكاء الفائق".
المفارقة أن واشنطن وبكين تتنافسان على الريادة في هذا المجال، لكنهما تبحثان في الوقت نفسه عن قواعد لتجنّب مخاطره. فقد اقترحت الولايات المتحدة إنشاء آلية للإبلاغ عن حوادث خطرة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ضمن حوار ثنائي يتناول الأمن القومي والشفافية والمخاطر الكبرى. كما تحدّث وزير الخارجية الأميركي عن فكرة خط ساخن شبيه بذلك الذي كان قائمًا خلال الحرب الباردة، لتجنّب حوادث يمكن أن تؤدي إلى تصعيد بين الدول.
وفي نيويورك، كان الأمين العام للأمم المتحدة يدعو إلى وضع قواعد دولية لحوكمة الذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن هذا المجال بات أحد الاختبارات الكبرى للقوة في عصرنا. وهنا تبرز المفارقة: الولايات المتحدة تريد تصدّر التكنولوجيا، والصين الحفاظ على موقعها، والأمم المتحدة وضع إطار دولي لإدارة المخاطر.
ولعلّ الأهم أن الذكاء الاصطناعي لا يقف منفصلًا عن بقية عناصر القوة. فالدولة التي تمتلك التكنولوجيا تحتاج إلى الطاقة وأشباه الموصلات والمعادن النادرة والبيانات والبنية التحتية الرقمية. وهكذا يتداخل الاقتصاد بالأمن، والتكنولوجيا بالجغرافيا السياسية، والتجارة بالقدرة العسكرية. لم تعد القوة موزّعة بين ملفات منفصلة؛ بل أصبحت هذه الملفات تعمل كمنظومة واحدة.
ومن هذه الزاوية، تصبح قمة ترامب وشي أكبر من لقاء ثنائي. إنها لحظة تختبر فيها القوتان شكل المنافسة في المرحلة المقبلة: هل تتحوّل التكنولوجيا إلى ساحة صدام جديدة، أم يمكن وضع قواعد تمنعها من التحوّل إلى أزمة استراتيجية؟ لا تحتاج القمة إلى اتفاق تاريخي كي تكون ذات دلالة. فالمؤشرات التي سبقتها أظهرت أن الهدف الأكثر واقعية هو تثبيت العلاقة ومنع المنافسة من التحوّل إلى مواجهة مفتوحة، مع البحث عن تفاهمات محدودة في التجارة والتكنولوجيا. وتبقى فرص الاختراقات الكبرى محدودة.
قد تكون القمة ثقيلة بالرموز وخفيفة بالاتفاقات، لكن ذلك لا يقلّل أهميتها. فقيمة اللقاء قد تكون في منع الأسوأ وإبقاء الخصومة داخل حدود يمكن إدارتها. وهذا ربما هو المعنى الأهم للمشهد الأميركي - الصيني اليوم: التنافس المنضبط بدل الصداقة، والحوار بدل القطيعة، والتنسيق المحدود حيث تفرض المصالح نفسها. فالدبلوماسية ليست بديلًا عن المنافسة، إنها إحدى أدوات إدارتها.
وفي عالم ينتقل من سباق التسلّح إلى سباق "الذكاء الفائق"، قد لا تكون المعركة المقبلة حول من يملك القوة فقط، بل حول من يستطيع وضع قواعد استخدامها قبل أن تصبح التكنولوجيا أسرع من قدرة السياسة على ضبطها.
أستاذة جامعية