لم يعد لدى جماعة "حزب الله" من أدوات للدفاع عن وجوده سوى تشبيه "مقاومتهم" بمقاومة بشير الجميل، لتعويم بقائهم المرتبط بإيران، وتبرير احتفاظهم بسلاحهم والبناء على زعمهم بموت الدولة في لبنان.
فالرئيس بشير الجميل الذي "أتت به الدبابة الإسرائيلية"، صار مصدر وحي، والاستشهاد بمواقفه وتصريحاته يكشف الانفصام الواضح في الشخصية المعنوية للحزب ومن ينطق باسمه.
والانفصام الذي تكشفه إطلالات من يدور في فلك "الحزب"، يجسّده البيان الأسبوعي الأخير لكتلة "الوفاء للمقاومة" وما صدر عن نوابه الذين انسحبوا من جلسة طرح الثقة بالحكومة، عوضًا عن نزع هذه الثقة عنها، مع أنهم يحملونها مسؤولية "سلسلة من الإخفاقات الوزارية" ويتهمونها بأنها تتلطّى "وراء استمرار العدوان الصهيوني" لتبرير إخفاقاتها وتعثر أدائها في حل الأزمات الموروثة من زمن مصادرة "الحزب"، ومن خلفه إيران، للسيادة والاستيلاء على الدولة والتحكم بمفاصلها. وكأن تداعيات هذا العدوان لا تشل بلدًا مفلسًا كلبنان بفضل "الحزب" ومن أتى بهم لينهبوا تحت رعايته.
وأيضًا ينسحب على تصريحات النائب حسن فضل الله بشأن إلحاق خسائر بإسرائيل في معركة تلة "علي الطاهر" التي لم تقع، وإنما سُلِّمت تسليمًا، و"منعها من التقدم والسيطرة على المنطقة"، على الرغم من أن أهالي إقليم التفاح يعيشون كوابيس التهجير منذ تسليم التلة.
وبالطبع، لن يمر من دون مواقف انفصامية لجماعة "الحزب"، تعليقًا على لقاء رئيس الحكومة نواف سلام بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وإبلاغه بأن "لبنان لا يريد أن يكون ساحة لصراعات إقليمية أو لتبادل الرسائل"، ودعوته "طهران إلى ترشيح سفير جديد لها لدى لبنان"، في خطوة تندرج ضمن مسار تنظيم العلاقات الرسمية وتعزيز التواصل المباشر بين المؤسسات الشرعية في البلدين.
وتحديدًا في ظل تصريح بزشكيان، ضمن مقابلة مع شبكة "سي إن إن"، بأن "حزب الله" لا يمكنه أن يواجه بمفرده إسرائيل المدعومة من الولايات المتحدة و المسلحة تسليحًا جيدًا جدًّا، ولديها أنظمة أسلحة تتفوّق بكثير على أي شيء آخر. ليناقض ما قاله القيادي في "الحرس الثوري" وعضو مجلس تشخيص مصلحة النظام، محسن رضائي، قبل أيام، بشأن قدرات "الحزب"، الذي يمتلك قوة قل نظيرها في الإبداع والتغيير والتأقلم، كما أن طاقته البشرية كنز لا ينفد حتى مائة عام.
وفي خضم كل هذه الانفصامات، لا تهتز ثقة "الحزب" وكتلته النيابية "بالجمهورية الإسلامية الإيرانية قيادة ورئاسة وحكومة وحرسًا ثوريًّا وجيشًا وشعبًا"، في حين تبقى الثقة مفقودة بالدولة اللبنانية، المصرّة على التفرد بقرار الحرب والسلم والسيادة، وحرمان لبنان من "عناصر القوة الوطنية" التي يوفرها سلاح لم يحم أي شبر من الجنوب اللبناني، وبخطط عسكرية تهاوت في مواجهة العدوان وتسببت باحتلال، لم تنفع بصدّه "الكنوز البشرية" التي لم تعد تجد إلا من كانت تلعنه لتستشهد به.