بدلا من أن تتقدم ساعة الحلول، دخلت الدولة في العدّ العكسي لضياع الفرص.وللمفارقة، تبدو الدولة اليوم أقدر على تحقيق إنجاز سياسي منها على تحقيق إنجاز اقتصادي. فالدعم الداخلي والخارجي لاستعادة السيادة موجود ومتواصل، فيما سيبقى الدعم المالي والاستثماري مؤجلا ما دامت القرارات السياسية الكبرى معلقة. ولا يمكن لدولة «معلقة» سياسيًا أن تقنع أحدًا بأنها جاهزة اقتصاديًا.لكن الأخطر أن الدولة لا تبدو مدركة حجم نفاد صبر الناس وتآكل أملهم. ولا يكفي الاطمئنان إلى أن تظاهرات عام 2019 لن تتكرر. فالخطر الحقيقي ليس في أن ينزل الناس إلى الشارع، بل في أن يكفوا عن انتظار شيء من الدولة أصلا. الغضب يمكن احتواؤه، أما اليأس من الدولة فيعني سقوطها في الوعي قبل أن تسقط في المؤسسات.مشكلة الدولة أنها لا تقول ماذا تنتظر، ولا لماذا تنتظر. كأنها تعيش حالا من انعدام الوزن وانعدام الزمن، فيما بدأت القوى الداخلية والخارجية الداعمة لها تتصرف على قاعدة أن زمن المهل انتهى.وهنا لا يعود الشلل مجرد مشكلة أداء أو بطء في القرار، بل يتحول إلى إدانة لبنية النظام نفسه. فحين يصبح اتخاذ القرار حدثًا استثنائيًا، وحين تحتاج كل خطوة إلى توافقات لا تنتهي، وحين تُستهلك طاقة الدولة في إنتاج التسويات بدل إنتاج السياسات، يصبح السؤال مشروعًا: هل المشكلة في من يدير النظام، أم أن النظام نفسه أصبح مرتعًا للعجز؟والواقع الحالي هو أفضل ما يمكن أن ينتظره «حزب الله»: دولة عاجزة عن الحسم في السياسة، وعاجزة عن الإنجاز في الاقتصاد، وعاجزة عن تحويل الدعم المتوافر لها إلى قوة فعلية. لكن الأزمة أبعد من سلاح «حزب الله»، وأبعد من الأداء الحكومي. فلبنان يدخل عالمًا مختلفًا جذريًا، فيما نظامه منتهي الصلاحية. والمفارقة ليست فقط أن الدولة متأخرة في اتخاذ القرار، بل إنها تناقش مستقبلها بأدوات صُممت لعالم يكاد يختفي.من هنا، لا بد من فتح نقاش جدي حول بنية الدولة نفسها في عصر الذكاء الاصطناعي، ولا سيما الانتقال إلى أشكال من اللامركزية في العديد من المجالات. لم تعد اختلافات الثقافات والهويات المجتمعية وحدها العامل الأساس في الاتجاه نحو اللامركزية والفيدرالية. فالذكاء الاصطناعي معطى تكنولوجي وإنساني اقتحامي، لا بد من ركوب عربته حتى لا نقع تحت عجلاتها. وما فعلته الثورات الصناعية على امتداد عقود، سيفعله الذكاء الاصطناعي خلال شهور. الذكاء الاصطناعي مقبل على تسريع مسار التاريخ نفسه، وسيصبح مجتمع محلي منظم ومتصل رقميًا أكثر قدرة على جذب المعرفة والاستثمار من دولة كاملة عالقة في البيروقراطية.وبدورها، ستتعرض النظم الاجتماعية والأخلاقية والسياسية لهزات عميقة. وهنا تعود الفلسفة والعلوم الإنسانية إلى قلب النقاش، لأن السؤال لن يعود فقط: ماذا تستطيع التكنولوجيا أن تفعل؟ بل: ماذا نريد نحن منها أن تفعل بالإنسان والمجتمع والدولة؟هذه الثورة ستقود كذلك إلى تحولات كبيرة في الجيوبوليتيك في الشرق الأوسط. فالقواعد التي حكمت المنطقة عقودًا ستتبدل، وستفقد بعض المشكلات التقليدية جزءًا من وزنها، فيما تظهر تحديات جديدة أكثر ارتباطًا بحقوق الإنسان الفرد، وبعلاقته بالزمن والمجتمع، وبقدرته على إنتاج المعرفة. فإطالة الأعمار لن تعني بالضرورة إطالة مرحلة الكهولة، بل ستعني إبقاء الإنسان، في سن الستين أو السبعين، وبصحة إدراكية أفضل. وعندها ستتغير حسابات التقاعد والإنتاج والديمغرافيا نفسها.وسيتباطأ زحف الهجرة غير الشرعية وغير المندمجة في المجتمعات الغربية، خصوصًا مع اللقاء المتسارع بين ظاهرة «الوطنيات» التي تحملها أحزاب اليمين في الغرب والتحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، بما سيدفع بوتيرة أسرع نحو معالجة هذه المشكلة واستدارتها إلى البلدان المصدرة للمهاجرين غير الشرعيين.أين لبنان من كل ذلك؟لبنان مُحتجز من جماعة التخلف الاجتماعي و»الارتقاء» بالموت، فيما العالم يناقش كيف سيعيش الإنسان أطول، ويتعلم أسرع، وينتج أكثر، ويختصر المسافة بين الفكرة والإنجاز.لذلك، لم يعد السؤال فقط: كيف نخرج من الأزمة الحالية؟ بل: أي دولة نريد ونحن نواجه هذا المعطى التاريخي الذي اسمه «الذكاء الاصطناعي»؟حان الوقت لإعلان هزيمة هذه الدولة بصيغتها الراهنة.فكل ذلك التلفيق الفكري الذي راكمته مئات السنين، وأنتج جبالا من الكتابات والمؤلفات، والأنظمة الظالمة، رماه الذكاء الاصطناعي داخل رمز صغير على شاشات أجهزتنا اسمه: Recycle Bin.