بدأ البابا لاوون الرابع عشر زيارة تاريخية إلى فرنسا أمس تستمرّ أربعة أيام، في أوّل زيارة لحبر أعظم إلى "الابنة البكر للكنيسة الكاثوليكية" منذ 18 عامًا. وشدّد البابا، خلال خطاب ألقاه بالفرنسية في قصر الإليزيه بعد استقباله من قبل الرئيس إيمانويل ماكرون، على أن "العلمانية السليمة لا تعني استبعاد الدين من الفضاء العام أو من التعليم"، معتبرًا أن الحوار بين "أفراد من خلفيات ثقافية ودينية مختلفة" بات "أمرًا ملحًا". وندّد بـ"التلاعبات الجينية" و"الأمومة البديلة" و"شراء الأعضاء البشرية" و"الموت المبرمج"، معتبرًا أنها "انحرافات" قد تؤدي إلى "تحويل العلم والتكنولوجيا إلى مشاريع ربحية"، بعدما كان البرلمان الفرنسي قد أقرّ قبل شهرين قانونًا يعترف بحق "المساعدة على الموت"، الأمر الذي عارضته الكنيسة بشدة.
وحذّر البابا من مخاطر الذكاء الاصطناعي، قائلًا: "إذا أردنا تجنّب فقدان إنسانيتنا وسط فردوس من الآلات يغزو حياتنا اليومية ويؤثر فيها، فثمة حاجة ملحّة إلى التربية على التمييز الأخلاقي". وانتقد، في خطاب ألقاه في المقرّ الرئيسي لمنظمة "يونسكو" في باريس، قادة العالم الذين لا يحترمون سيادة القانون، من دون أن يذكر أسماء. ودعا المجتمع الدولي إلى إيلاء "اهتمام خاص لحماية الأطفال والشباب" في العصر الرقمي. وشدّد على أن "هشاشتهم (الأطفال والشباب) يجب ألا تصبح أبدًا فرصة لاستغلالهم"، معربًا عن أمله في أن تساعدهم الأدوات الرقمية على "النمو والتعلّم وبناء العلاقات"، وأن تبقى دائمًا "في خدمة كرامة الإنسان".
وأصبح البابا أوّل حبر أعظم يزور كاتدرائية نوتردام في باريس بعد إعادة افتتاحها في نهاية عام 2024. وأشاد بـ"روعة" المبنى المرمّم بعد الحريق المدمّر الذي اندلع فيه عام 2019، وبـ"براعة" الحرفية الفرنسية. وتبلغ الزيارة الرسولية ذروتها اليوم بقداس ضخم يترأسه البابا في ساحة الكونكورد وجادة الشانزليزيه المجاورة. وسيزور البابا أيضًا مدينة لورد، حيث سيلتقي على انفراد ضحايا اعتداءات جنسية ارتكبها رجال دين. أما في المحطة الأخيرة من رحلته المقرّرة في مدينة ميتز في شمال شرق فرنسا قرب الحدود الألمانية الاثنين، فمن المقرّر أن يلقي البابا خطابًا عن السلام في أوروبا، في ظلّ استمرار الغزو الروسي لأوكرانيا. ودُعي رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي إلى حضور الفعالية.
ووصف ماكرون زيارة البابا، الذي وُلدت جدته لأبيه في فرنسا، بأنها "شرف كبير"، مشدّدًا على أن "العلمانية الفرنسية" ليست "إنكارًا للدين بأي حال". وأكد أن الجمهورية الفرنسية تكافح تصاعد الأعمال المعادية للأديان التي "تستهدف الديانة المسيحية"، و"تقع أيضًا ضحيتها الجماعات اليهودية والمسلمة". وأظهر استطلاع للرأي أُجري العام الماضي أن حوالى 5 في المئة فقط من سكان فرنسا البالغ عددهم 69 مليون نسمة يرتادون الكنائس الكاثوليكية بانتظام. لكن في حين تراجع تعميد الأطفال في السنوات الأخيرة، تشهد حالات تعميد البالغين تزايدًا ملحوظًا. وأفاد الفاتيكان، نقلًا عن تقديرات السلطات المحلية، بأن قرابة 300 ألف شخص احتشدوا في وسط باريس بعد ظهر أمس لرؤية البابا.