يدخل لبنان أخطر مراحل الانتظار. حرب على حدوده الجنوبية، وحرب أكبر تتفاعل بين إيران والولايات المتحدة. انتخابات في إسرائيل، واستحقاقٌ نصفي في أميركا. وبين هذه العناوين، تتراجع الدولة إلى الصفوف الخلفية، تُصدر المواقف، ترسل الوفود، تفتح قنوات الاتصال، لكن القرار الفعلي يصاغ خارج بيروت.
تتقلّب الجبهة الجنوبية بين الهدوء والتصعيد. تتعثر الاتصالات. تتراكم الأسئلة حول اليوم التالي. ويقترب استحقاق "اليونيفيل" من دون أن تنضج بعد صيغة واضحة للمرحلة المقبلة. أما احتمال عودة المواجهة، فلا يزال قائمًا، خصوصًا إذا تبدلت الحسابات الإقليمية أو انهارت التفاهمات القائمة.
يحاول رئيس الجمهورية جوزاف عون تثبيت موقع الدولة في هذه المعادلة. يطرح التفاوض كمدخل لتخفيف التوتر. يربط الاستقرار بانتشار الجيش وبحصرية السلاح. ويرفض، في الوقت نفسه، تحويل الملف إلى مواجهة لبنانية داخلية. أما رئيس الحكومة نواف سلام، فحمل القضية إلى نيويورك، واضعًا أمام المجتمع الدولي ملف الجنوب والجيش ومستقبل "اليونيفيل" وسيادة الدولة.
لكن الكلام شيء، والقدرة على تحويله إلى واقع شيء آخر. وفي السياق تقول مصادر دبلوماسية لـ"نداء الوطن" إن المشهد اللبناني دخل عمليًا مرحلة تجميد، بانتظار اتضاح مسارين خارجيين: الانتخابات الإسرائيلية والانتخابات النصفية الأميركية. وتؤكد المعلومات أن الاتصالات الرسمية مع واشنطن والعواصم الغربية لم تحمل حتى الآن مخرجًا عمليًا للأزمة اللبنانية. أما الرسالة الغربية، فتبدو أكثر وضوحًا فهي لا معالجة مستدامة من دون حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء الوضع المسلح خارج مؤسساتها.
وفي هذا السياق، لم يحصل رئيس مجلس النواب نبيه بري، بحسب المعلومات، على أجوبة نهائية من "حزب الله" حول مستقبل سلاحه بعد علي الطاهر. كذلك لم يتلقَّ ضمانة واضحة بشأن إمكان تجنّب الانخراط في حرب ثالثة. ويزداد المشهد تعقيدًا مع استمرار ارتباط القرار الاستراتيجي لـ"الحزب" بالحسابات الإيرانية، ما يجعل قدرة الداخل اللبناني على تقديم تعهدات نهائية موضع سؤال.
تتراجع الحركة السياسية عند هذه النقطة، تتعطل المفاوضات، تتأخر صياغة البديل عن "اليونيفيل" وتتراكم الملفات فوق بعضها، من الحدود إلى السلاح إلى مستقبل الانتشار الدولي. وفي ظل غياب تسوية شاملة، تظل الجبهة قابلة للاشتعال في أي لحظة.
لا تملك بيروت ترف العزلة عن المنطقة. ولا تستطيع فصل الجنوب عن الصراع الإقليمي. فالقرار الأميركي يضغط من جهة، والحسابات الإسرائيلية تتحرك من جهة أخرى، بينما يبقى العامل الإيراني حاضرًا في خلفية كل بحث يتعلق بسلاح "حزب الله".
وهكذا يجد لبنان نفسه بين حربين وانتخابين. انتخابات إسرائيلية قد تعيد ترتيب المشهد السياسي والأمني. وانتخابات أميركية نصفية قد تفرض إيقاعًا جديدًا على واشنطن. وفي المقابل، جبهة جنوبية لم تُغلق نهائيًا، ومواجهة إيرانية ـ أميركية يمكن أن تنعكس على لبنان من دون أن يستأذن أحد الدولة اللبنانية.
المفارقة أن الدولة حاضرة في كل الاجتماعات، لكنها ليست حاضرة بالقدر نفسه في صناعة القرار. تفاوض في الجنوب، تتحرك في نيويورك، تتواصل مع واشنطن وتبحث عن صيغة تمنع الانفجار.
لكنها، في النهاية، تقف أمام معادلة قاسية: لبنان عالق بين حربين وانتخابين، فيما القرار الذي يحدد مصيره لا يزال أبعد من بيروت.