الدكتور سايد حرقص

عندما تتحول «معادلة كيسنجر» إلى عقيدة لـ«حزب الله»

3 دقائق للقراءة

تتكرر في الخطاب السياسي والعسكري للشيخ نعيم قاسم فكرة مفادها أن الحرب لا تُقاس بحجم الخسائر ولا بالنتائج الميدانية المباشرة، بل بمدى بقاء «حزب الله» قادرًا على مواصلة القتال. ووفق هذا المنطق، تتحول القدرة على الاستمرار في إطلاق النار إلى معيار للنصر، فيما تُهمَّش الكلفة البشرية والمادية التي يتحملها لبنان وشعبه، وكذلك النتائج السياسية والاستراتيجية التي تفرزها الحرب على أرض الواقع.

واللافت أن الفكرة الأساسية في العقيدة التي يسوّقها إعلاميًا الشيخ نعيم قاسم تعود في جذورها إلى مقال شهير لوزير الخارجية الأميركية الراحل هنري كيسنجر بعنوان The Vietnam Negotiations، نشرته مجلة Foreign Affairs في كانون الثاني 1969، حيث كتب في سياق تحليله لحرب فيتنام: «المقاتل غير النظامي ينتصر إذا لم يخسر، بينما الجيش النظامي يخسر إذا لم ينتصر». ولم تكن العبارة، في سياقها الأصلي، قانونًا ثابتًا للحروب، بل جزءًا من تحليل لطبيعة الحرب الفيتنامية والفارق بين الحرب العسكرية والحرب السياسية.

فكيسنجر كان يشرح مأزق الولايات المتحدة في فيتنام: قوة عسكرية متفوقة ماديًا، لكنها عجزت عن تحويل تفوقها العسكري إلى نتيجة سياسية حاسمة. وقد لخّص هذه المفارقة بالقول إن الولايات المتحدة خاضت «حربًا عسكرية»، فيما خاض الاتحاد السوفياتي، عبر المقاومة الفيتنامية، «حربًا سياسية». وبينما ركزت الولايات المتحدة على الاستنزاف المادي والعسكري، عمل الاتحاد السوفياتي على استنزاف الإرادة السياسية والنفسية لدى واشنطن.

من هنا، لا يجوز اختزال مقولة كيسنجر في قاعدة عقائدية جامدة مفادها أن مجرد البقاء يعني الانتصار. فبقاء قوة مسلحة واحتفاظها بجزء من قدراتها لا يشكّلان، بحد ذاتهما، دليلًا على النصر. فالقياس الاستراتيجي يتطلب طرح أسئلة أكثر جوهرية: هل استطاعت إيران استنزاف إسرائيل سياسيًا ونفسيًا عبر «حزب الله»، كما فعل الاتحاد السوفياتي بواشنطن عبر المقاومة الفيتنامية؟ وما كانت أهداف «حزب الله» قبل الحرب، وما الذي تحقق منها فعليًا؟ وكيف تبدلت معادلة الردع؟ وأين الصواريخ التي قيل إنها ستضرب «ما بعد بعد حيفا»؟ وأين الدولة التي وُصفت بأنها «أوهن من بيت العنكبوت»، وخزانات الأمونيا، ومئة ألف مقاتل، وسائر العنتريات التي سبقت المواجهة؟ وما موقع «حزب الله» اليوم على أرض الميدان؟ والأهم، ما الكلفة التي دفعها لبنان ومجتمعه مقابل استمرار احتفاظ الحزب بسلاحه؟

في الحروب غير المتناظرة، قد يكون «الصمود» هدفًا مرحليًا للطرف الأضعف، لأن إطالة الحرب قد تمنحه فرصة لإرهاق خصمه أو منعه من تحقيق أهدافه بسهولة وسرعة. لكن الإشكالية تبدأ عندما يتحول الهدف المرحلي إلى غاية استراتيجية بحد ذاته، ويصبح مجرد "بقاء السلاح" معيارًا كافيًا لإعلان الانتصار، مهما كانت الخسائر التي تلحق بالدولة والمجتمع. عندها يجب أن يسأل السؤال: ما فائدة السلاح طالما العدو يفعل ما يشاء؟ .

في النهاية، ثمة فارق جوهري بين تنظيمٍ تعرّض لانتكاسة كبيرة ونجا مؤقتًا من هزيمة عسكرية كاملة، كما هي حال «حزب الله»، وبين قوةٍ تخرج من الحرب بانتصارٍ يترجم إلى تحولٍ سياسي واستراتيجي ملموس على الأرض، كما حدث في فيتنام. وبين المفهومين مسافة واسعة، إلا إذا كانت الأهداف الحقيقية لسلاح «حزب الله» مرتبطةً بمصالح المستثمر الإيراني، لا بما يعلنه الشيخ نعيم قاسم؛ عندها تتغير الصورة، وندخل في حالة جمودٍ بانتظار نضوج الصفقات التي ستكشف من اشترى ومن باع، ومن قُيّد إلى المسلخ.