أحمد الأيوبي

الاستقلال عن إيران... التحرّر من إسرائيل

4 دقائق للقراءة

أثبتت الوقائع أنّ لبنان يقع تحت الاستعمار الإيراني المباشر، ولم يكن اعتراف نعيم قاسم بوجود قائد قوات القدس في لبنان في غرفة العمليات مع الأمين العام السابق حسن نصرالله ومقتلهما معًا سوى تأكيد المؤكد بوجود قوات الاحتلال الإيراني على الأراضي اللبناني وقيادتها للعمليات العسكرية، ليس فقط ضدّ قوات الاحتلال الإسرائيلي، بل قيادتها للانقلابات العسكرية والسياسية في الداخل اللبناني، وقيامها بالتفاوض عن لبنان، كما حصل في اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، عندما فاوضت طهران "الأميركي – الإسرائيلي" في بيروت وقبضت في بغداد، وهو ما تحاول طهران فرضه من خلال زجّ لبنان في ورقة التفاهم الإيرانية الأميركية الممزقة.

لم يكن التنكيل الذي قامت به إيران بالشعب والدولة في لبنان مختلفًا عمّا قامت به في سوريا والعراق واليمن، فقد حوّلت أموالها وسلاحها إلى سطوة سياسية وأمنية ومالية، اخترقت من خلالها كل مواقع الدولة، ومدّت يدها الأخطبوطية إلى الأحزاب والمرجعيات الدينية، حتى وصلت إلى ذروتها في تحالف السلاح غير الشرعي مع الفساد في عهد ميشال عون.

بعد سقوط حسن نصرالله وقيادات الصفوف الأولى في "حزب الله" تولت قيادة الحرس الثوري في لبنان زمام الأمور في "الحزب" بكل التفاصيل وبجميع التوجهات، لتترسّخ الهيمنة الإيرانية أكثر فأكثر، ولولا تدخل الحرس لما تمكّن "الحزب" من استعادة الحضور الضعيف الذي حقّقه بعد الهزائم الساحقة التي تعرّض لها، ولا يخفّف من وطأتها ادعاء محمد رعد أنّ ما حلّ بـ"الحزب" هو "نتيجة لبعض الخلل الجزئي التكتيكي الذي مارسناه أو تعرّضنا له"، فهذا انفصام فظيع يصل إلى أسوأ درجات الهلوسة السياسية.

أعلنت الحكومة اللبنانية، أنها ترفض وجود قوات الحرس الثوري في لبنان على لسان رئيس الحكومة نواف سلام، لكنّ الاختراق الإيراني للأجهزة الأمنية كان أعمق وأخطر مما يخطر على بال الرئيس سلام، فجوازات السفر كانت تتدفق على ضباط وخبراء الحرس الإيراني منذ عقود وبلا حدود.

اليوم، ومع انكشاف الصورة: احتلال إيراني يريد أن يستمرّ في مصادرة قرار لبنان من خلال ورقة إسلام آباد، وحزبه الذي يستشرس لإسقاط المسار التفاوضي اللبناني الإسرائيلي برعاية أميركية، حتى تبقى طهران مستفردة بالقرار اللبناني، وهو ما يسجل للدولة بأنّها تمكنت من إنشاء قناة التفاوض المباشر وحدّدت المسار والهدف: استقلال لبنان عن الاحتلال الإيراني وتحرير البلد من الاحتلال الإسرائيلي.

من هنا ينبغي أن تخوض الحكومة مفاوضات الاستقلال والتحرير بوضوح تام، واللقاءات مع المسؤولين الإيرانيين، ومنها لقاء رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجي مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عرقجي، يجب أن تكون محكومة بثلاثة شروط لإقامة علاقات دبلوماسية مع إيران:

- سحب قوات الاستعمار الإيراني (الحرس الثوري) من لبنان.

- وقف الدعم المالي والعسكري لـ"حزب الله".

توقّف إيران عن محاولات الهيمنة على القرار اللبناني في مفاوضاتها مع الإدارة الأميركية، تأكيدًا لتصريح الوزير رجي بشأن إيران: القرارات المتعلقة بلبنان شأن لبناني خالص.

لقد سقط "حزب الله" في عزلة تامة، فلم يعد معه سوى سقط المتاع من السياسيين وفعاليات صدئة، فغاب عن حضور ذكرى مقتل نصرالله ممثلو الدولة وأجهزتها، وأصبح الردح المتبادل سيد الموقف بين قياديي "الحزب" وجبران باسيل وهذا ناتج عن سياسات خرقاء خرّبت البلد على من فيه.

وما يؤكد هذه العزلة، الثورة الساكنة التي قام بها أهالي قرى الجنوب، ومنهم مناصرو حركة "أمل" عندما بدؤوا بطرد عناصر "الحزب" من بلداتهم وقراهم وهذا تحوّل لا يمكن التقليل من أهميتها لجهة استفاقة الشيعة على مخاطر وجود "الحزب" في مناطقهم، فحادثة رفع العلم الإيراني في بلدة "حومين الفوقا" تتجاوز مجرد كونها قضية علم، فهي تعكس شعورًا أوسع داخل الطائفة الشيعية يرفض النفوذ الإيراني.

تسارع الانهيار في صفوف "حزب الله" وتناثر إرث نصرالله على أيدي نعيم قاسم بأدائه الهزيل، والمفارقة أنّه إذا كان نصرالله بتاريخه وحضوره وسطوته عجز عن ابتلاع لبنان، فهل سيتمكن قاسم الذي يعجز عن ضبط وفيق صفا وصبيانه، من التحكم بالحياة السياسية في لبنان؟

يعيش "حزب الله" اليوم على بقايا نفوذه في الدولة العميقة، ويستفيد من تقاطع المصالح بينه وبين من لا يريد لهذه الدولة السوداء أن تسقط، لكنّها مسألة وقت فقط، لأنّ رأس الولي الفقيه في طهران بات في حالة ارتجاج دماغي وسياسي، وفي أحسن أحواله لن يتمكّن من استعادة توازنه الخارجي، فإيران تحتاج خمسين عاماً لإعادة بناء ما دمرته مغامرات وحماقات وليّها غير الفقيه.