ثمة أمر يكاد يكون متناقضًا في مسيرة روزاليا: فقد أصبحت واحدة من أكثر الفنانات الإسبانيات حضورًا على الساحة الموسيقية العالمية، انطلاقًا من تقليد موسيقي كان يمكن أن يبدو بعيدًا من إيقاع البوب المعاصر. ومع ذلك، وصلت إلى جمهور واسع من دون أن تتخلى عن جذورها، بل أعادت تفسيرها ووضعتها في حوار مع عوالم موسيقية أخرى، حتى طوّرت لغة فنية تجمع بين الفلامنكو والبوب والموسيقى الحضرية والإلكترونية، من دون أن تنتمي بالكامل إلى أي منها.
وُلدت روزاليا فيلا توبيلا في كاتالونيا عام 1992، وبدأت دراسة الفلامنكو في سن مبكرة. وهذا التدريب ليس مجرد تفصيل في سيرتها الذاتية، بل يشكّل أحد الأسس التي قامت عليها تجربتها الفنية. فقبل المسارح العالمية الكبرى، وقبل التعاون مع أسماء بارزة في الموسيقى الدولية، كانت هناك مغنية شابة تتعامل مع تقليد موسيقي يقوم على الصوت والإيقاع والتعبير العاطفي والذاكرة.
الفلامنكو والتجريب
كشف ألبومها الأول، "Los Ángeles"، الذي صدر عام 2017 بالتعاون مع عازف الغيتار راوول ريفري، عن فنانة اختارت طريقًا شديد الارتباط بالفلامنكو. كان الألبوم قاتمًا ومقتصدًا في توزيعاته، ووضع صوتها في المقدمة. وبعد عام، غيّر "El Mal Querer" مسار رحلتها. واستُلهم الألبوم، الذي بُني على شكل عمل سردي متكامل، من رواية "Flamenca" التي تعود إلى العصور الوسطى، ومزجت روزاليا فيه عناصر من الفلامنكو مع البوب والموسيقى الحضرية والإنتاج الإلكتروني. وكان نجاح "Malamente" نقطة تحوّل أساسية في مسيرتها، لكن أهمية "El Mal Querer" لا تختصر في نجاح أغنياته، إذ أظهر أن روزاليا لا تتعامل مع الفلامنكو بوصفه تراثًا ثابتًا، بل مادة قابلة لإعادة القراءة والتجريب.
ومع ألبوم "MOTOMAMI" عام 2022، وسّعت مجالها الموسيقي أكثر، فجمعت بين الريغيتون والموسيقى الإلكترونية والهيب هوب والباتشاتا والبوب وعناصر من الفلامنكو. وجاء الألبوم أكثر تحررًا من القواعد التقليدية، متنقلا بين الحميمية والاستعراض، وبين البساطة والإنتاج الموسيقي الكثيف.
صوب الروحانية
مع ألبوم "LUX"، تفتح روزاليا فصلا مختلفًا في تجربتها، إذ تتجه نحو موضوعات تتصل بالروحانية والمقدّس والنور، في تحوّل يمنح عملها بُعدًا جديدًا من دون أن يقطع صلته بعالم البوب. وكلمة "LUX" تعني "النور" باللاتينية، وهو عنوان يفتح منذ البداية على دلالات دينية وروحية وفنية. لكن هذا التوجه لا يبدو إعلانًا عن تحوّل ديني بالمعنى التقليدي، بقدر ما هو استخدام للرموز والشخصيات واللغات والموسيقى المرتبطة بالتقاليد الروحية بوصفها مادة فنية وتأملية. وهنا يصبح المقدّس موضوعًا للتساؤل بقدر ما يصبح مصدرًا للإلهام.
وتكتسب الشخصيات الدينية والروحية التي تظهر في عالم "LUX" أهمية خاصة ضمن هذا السياق. فاستحضار شخصيات من تاريخ المسيحية والتصوف يضع المشروع في حوار مع قرون من الفن والموسيقى والأدب التي تعاملت مع القداسة بوصفها تجربة إنسانية وجمالية، لا منظومة عقائدية فحسب.
ويكتسب هذا الاختيار دلالته أيضًا في زمن ترتبط فيه الثقافة الشعبية بشدة بصناعة المشاهير والصورة. فالنجوم يتحوّلون إلى أيقونات، وتنتشر تفاصيل حياتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فيما تنقل روزاليا جزءًا من اهتمامها إلى عالم آخر من الرموز، حيث تحضر أسئلة الإيمان والتجربة الداخلية والبحث عن المعنى إلى جانب الموسيقى والصورة. ولا يعني ذلك أنها تتخلى عن أدوات البوب. فالموسيقى والملابس والصورة والأداء والرقص والإنتاج البصري لا تزال عناصر أساسية في مشروعها، لكن هذه الأدوات تُستخدم هذه المرة للتعامل مع موضوعات أكثر تأمُّلا.
ويبدو البعد الشخصي مهمًا أيضًا في فهم هذا المسار. فقد تحدثت روزاليا في مقابلات سابقة عن علاقتها بالإيمان والصلاة، ما يجعل حضور الموضوعات الروحية في عملها أكثر تعقيدًا من مجرّد استخدام الرموز الدينية للزينة البصرية. ومع ذلك، تبقى أعمالها مفتوحة على التأويل، من دون أن تفرض تفسيرًا نهائيًا لنيّاتها الفنية.
الاتساع الجغرافي والثقافي
يظهر هذا الانفتاح أيضًا في التعدد اللغوي المرتبط بـ "LUX". فحضور الإسبانية إلى جانب لغات أخرى يمنح المشروع امتدادًا يتجاوز البيئة الإسبانية التي انطلقت منها روزاليا. واللغات هنا لا تؤدي وظيفة موسيقية فقط، بل تضيف إلى العمل إحساسًا بالاتساع الجغرافي والثقافي.
موسيقيًا، تبدو التجربة أكثر اتساعًا من أعمالها السابقة. فهناك مساحة أكبر للتوزيعات الأوركسترالية والجوقات والأصوات ذات الطابع الكلاسيكي، إلى جانب حضور تقنيات الإنتاج الحديثة. ويضع هذا الاختيار العمل في منطقة مختلفة عن نموذج أغنية البوب التي تعتمد على الوصول السريع إلى المستمع.
والمفارقة أن روزاليا لا تأتي من خارج الثقافة الشعبية. فهي تعرف جيدًا كيف تُصنع الصورة وكيف تتحوّل الأغنية إلى حدث ثقافي. لذلك، لا يبدو انتقالها إلى موضوعات أكثر روحانية هروبًا من عالم البوب، بل توسيعًا لحدوده. وتتجاوز قصتها، في نهاية المطاف، مسيرة مغنّية حققت نجاحًا عالميًا. فهي تقدّم مثالا على إمكان إقامة حوار بين عوالم غالبًا ما تُصوَّر على أنها متناقضة: بين التقاليد والحداثة، والشعبية والتجريب، والجسد والتأمل، والرغبة والبحث عن المعنى، والشهرة والحياة الداخلية.
البوب والمقدّس
لطالما تناولت موسيقى البوب النجاح والاستهلاك والجنس والحرية الفردية وتأكيد الذات. لا تتخلى روزاليا عن هذه الموضوعات بالضرورة، لكنها تفتح إلى جانبها مساحة للسؤال عن أشياء يصعب قياسها أو تحويلها إلى صورة أو سلعة. وهنا تكمن أهمية "LUX". فبعد أن أعادت روزاليا قراءة الفلامنكو، ودخلت في حوار مع البوب والموسيقى الحضرية والإلكترونية، تدفع تجربتها هذه المرة نحو سؤال مختلف: ماذا يحدث عندما يدخل المقدّس والإيمان والروحانية إلى قلب موسيقى البوب؟
لا يقدّم الألبوم إجابة نهائية، بل يترك السؤال مفتوحًا بين الموسيقى والصورة والذاكرة واللغة. وفي عالم يريد أن يعرض كل شيء ويقيسه ويفسّره بسرعة، قد يكون منح الغموض مساحة داخل أغنية أو ألبوم فعلا فنيًا له دلالته.
وربما تكمن جرأة روزاليا في أنها لا تتعامل مع الفن بوصفه إجابة، بل مساحة للشك والاكتشاف. تترك للمتلقي حريّة الاقتراب والابتعاد، والإيمان والتساؤل، والإصغاء والتأويل. وفي هذه المساحة، يفقد البوب شيئًا من وظيفته الاستهلاكية العابرة، ويستعيد قدرته على ملامسة المجهول.

