أرجئ الامتحان العسير للحكومة العراقية إلى موعد جديد. قذفَ رئيسها علي الزيدي كرة النار العسكرية تسعة أشهر إلى الأمام، على أمل أن يسجّل هدفًا في مرمى الفصائل المسلّحة الخارجة عن طاعة الدولة، التي كانت قد ظفرت في ركل كرة نزع السلاح وإعادتها إلى المربّع الأوّل في الملعب الحكومي. موعد نهاية أيلول، المصادف غدًا، الذي ضربته بغداد لتسليم الفصائل سلاحها إلى السلطات الشرعية، نعاه في العاشر من الشهر الحالي متحدّث حكومي، من دون أن يحدّد مهلة جديدة، قبل أن يُضرب موعد جديد لتسليم سلاح الفصائل في نهاية حزيران من العام المقبل.
لم يفاجئ تأجيل موعد حصر السلاح المراقبين، بحكم أن ظروف حصره لم تنضج بعد، في خضمّ منازلة عسكرية - اقتصادية حامية الوطيس بين واشنطن وطهران، وفي ظلّ أسئلة صعبة لم تجد أجوبة شافية لها حتى الآن. من يملك قرار الحرب والسلم في "بلاد الرافدين"؟ من يحقّ له امتلاك السلاح، ومن يقرّر "الضغط على الزناد"؟ ومتى؟
جهد الزيدي طوال أشهر لسحب البساط من تحت أقدام الفصائل العراقية، الإيرانية الهوى، الرافضة تسليم سلاحها، من خلال حرصه على أن يتزامن موعد 30 أيلول لتسليم سلاحها مع الموعد المحدّد لاكتمال انسحاب قوات "التحالف الدولي" بقيادة الولايات المتحدة من العراق. بيد أن رياح الفصائل جرت بما لا تشتهي سفن الزيدي. فموعد 30 أيلول لسحب السلاح زُجَّ به في دائرة التأجيل وربما المراوحة، واستعاضت عنه بغداد باجتراح خطة جديدة تمتدّ حتى 30 حزيران المقبل، وتتضمّن مرحلة انتقالية تكون باكورتها وقف الهجمات الأميركية على الفصائل العراقية المسلّحة، مقابل عدم مهاجمة تلك الفصائل المصالح الأميركية، على أن يتمّ في الموازاة الانتقال المتدرّج إلى وضع السلاح في كنف الدولة.
لا ريب في أن حكومة الزيدي المَرضيّ عنها أميركيًا تسعى إلى المواءمة بين الحفاظ على مباركة قاطن البيت الأبيض لها، وبين عدم إثارة سخط إيران، الراعية الرسمية لـ "الإطار التنسيقي"، وهو التحالف الشيعي الحاكم في العراق، الذي يُعدّ المكوّن الأبرز لحكومة الزيدي، الخارج أصلًا من رحم "الإطار". لذلك، عقدت الحكومة العراقية العزم، ولو في الشكل، على حصر السلاح بيدها، إلّا أنها تتوجّس من أن تشعل الخطوة فتيل حرب داخلية، في بلد عانى الأمرّين من حرب مذهبية دارت رحاها لسنين طويلة بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003.
تكمن المعضلة في أن الدولة العراقية لا تقف أمام مجموعات مسلّحة يقودها هواة ويسهل تفكيكها بقرار حكومي بسيط، بل تواجه فصائل مسلّحة كاملة الأوصاف، تتمتّع بقدرات عسكرية وسياسية ومالية وتنظيمية هائلة، ومعظمها يدين بالولاء المطلق لإيران، التي غدت راهنًا في حمأة حربها مع "العمّ سام"، في أمسّ الحاجة إلى هذه الفصائل، لتقود حروب إسناد لها. وهنا يُفهم تمسُّك نظام الملالي بأذرعه التي لا تزال على قيد الحياة في كلّ من العراق ولبنان واليمن، لأن هذا النظام يُدرك خير إدراك أن طبول الحرب الأميركية ستُقرع مجدّدًا لا محالة، وسيُصدِر في حينها "أمر عمليات" جديدًا لها لتحريك تلك الجبهات، غير آبه بالويلات التي جرّها وسيجرّها على تلك الدول.