بين وعيد المرشد الإيراني الأعلى مجتبى خامنئي بإخراج الأميركيين من الشرق الأوسط ومساعي طهران لتخفيف الحصار واستعادة رحلاتها الجوّية، تتّسع المسافة بين خطاب النظام وواقع قدرته على الاحتمال. فالبيان المنسوب إلى المرشد، الغائب عن الظهور العلني منذ اندلاع الحرب، يصوّر القوات الأميركية متراجعة أمام "ضربات موجعة"، في حين تكشف المطالب الإيرانية حجم الاختناق الذي أحدثته المواجهة. وأوضح ردّ على رواية الانتصار يأتي من الشروط التي تطرحها إيران للخروج من الحرب.
في هرمز، اصطدمت محاولة تحويل المضيق إلى أداة إخضاع دولية بقدرة واشنطن على فرض حصار مضاد على الموانئ الإيرانية، بالتزامن مع مساهمتها في تأمين خروج سفن بنجاح من المضيق. وبذلك، أصبح تعطيل الملاحة يرتدّ على الاقتصاد الذي يُفترض أن تخدمه ورقة هرمز. واستمرار مطالبة طهران برفع الحصار يكشف حدود قدرتها على انتزاع مكاسب بالقوّة. إن تصوير الوجود الأميركي كقوّة توشك على الفرار يتناقض جذريًّا مع ضغطه المستمرّ وشروط التفاوض الإيرانية نفسها.
ويمتدّ الضغط الأميركي من الموانئ إلى المطارات، مستهدفًا شبكة الخدمات التي تُتيح للطائرات الإيرانية مواصلة عملها، من التزوّد بالوقود إلى بيع التذاكر، تحت طائلة الاستبعاد من النظام المالي الأميركي. بذلك، دخلت المواجهة صلب حسابات الشركات والدول، حيث تتقدّم كلفة التعامل مع طهران على جدواه، وتضيق منافذ نظام الملالي إلى الخارج من دون إطلاق رصاصة واحدة. وتلك معضلة لا تعالجها خطابات التحدّي، فالشعارات لا تزوّد الطائرات بالوقود، ولا تقنع الشركات بالمجازفة بمصالحها من أجل نظام آيات الله.
وتكشف حركة مطار طهران المسافة بين خطاب النظام وواقعه: 41 رحلة وصول ومغادرة يوم الأحد، مقابل متوسّط يومي يتراوح بين 80 و90 رحلة قبل سريان العقوبات، أي تراجع يقارب النصف. أمام هذه الحصيلة، يصبح التباهي باستمرار خدمة نحو 30 وجهة محاولة لتجميل الانكماش، إذ لا تُقاس صلة بلد بالعالم بعدد الوجهات المعلنة وحده، بل بانتظام الرحلات وسعتها وإمكانات الربط التي تُتيحها. وتزداد وطأة هذا التراجع مع خسارة دبي بوصفها بوابة رئيسية إلى العالم، يصعب تعويضها بمجرّد الإبقاء على خطوط متفرّقة.
وعلى هذه الخلفية، تحمل شكوى إيران إلى منظمة الطيران المدني الدولي، وإعلانها اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، دلالة تتجاوز الاعتراض القانوني. فالنظام الذي يرفع سقف التحدّي يبحث عن مخارج مؤسسية لقيود صارمة يعجز خطابه الفارغ عن تبديد أثرها. وبين ادّعاء الصمود والبحث عن منفذ، يدفع المسافرون ثمنًا مباشرًا من وقتهم وأموالهم، عبر إلغاءات مفاجئة ورحلات برية طويلة ونفقات إضافية. أما استمرار الخطوط إلى الصين وروسيا ودول أخرى، فيؤمّن متنفّسًا محدودًا، تتوقّف قيمته على انتظام الرحلات وقدرتها الاستيعابية. وهو متنفّس قد يخفّف وطأة العزلة، لكنه لا يمنح طهران ما تحتاج إليه لتسويق الانكماش بوصفه انتصارًا.
ومن هذه الضغوط تُقرأ حركة الوسطاء القطريين بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والجانب الأميركي، لبحث نسخة معدّلة من مقترح الأيام السبعة. تسعى طهران إلى وقف القتال ورفع الحصار والعقوبات والإفراج عن أموالها المجمّدة، مقابل إعادة فتح هرمز واستئناف التفاوض النووي. وبعد رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب الصيغة المطروحة، تشير التقارير إلى استعداده لتخفيف العقوبات مقابل تقدّم نووي ملموس إلى جوهر الخلاف: ترتيب الالتزامات، وحجم المقابل، وضمان التنفيذ. وتُظهر دراسة إدارة ترامب منح إعفاء محدود لرحلات النجف، وفق وكالة "رويترز"، كيف تستطيع واشنطن استخدام الاستثناءات لضبط الضغط وتوظيفه تفاوضيًّا.
توازيًا، يفتح التحقيق البريطاني في مخطّط تفجير يستهدف قاعدة فيرفورد احتمال انتقال المواجهة مع إيران إلى الأراضي البريطانية عبر وكلاء محلّيين. فإفراج الشرطة عن خمسة مشتبه بهم بكفالة مشدّدة، الأمر الذي لم يُعجب ترامب، يتزامن مع بحثها احتمال عملهم لحساب دولة أجنبية، واستنفار حكومي لاستكمال الصورة الأمنية. وتستمدّ فرضية وقوف طهران خلف الحادث وزنها من استخدام القاعدة لضرب إيران، وتهديدات "الحرس الثوري" للقواعد المشاركة. وتبقى هذه المعطيات ظرفية، والارتباط بطهران رهن أدلّة التحقيق، وسط نفي إيراني قاطع. وإذا ثبتت الصلة، فستواجه لندن تصعيدًا أمنيًّا يمسّ أراضيها مباشرة، ويضع علاقتها بطهران أمام أزمة تتجاوز الخلاف حول استخدام القواعد.