عام 1980، وخلال زيارته الرسولية الأولى إلى فرنسا، طرح البابا يوحنا بولس الثاني في "لو بورجيه"، سؤالا وجوديًّا، لا يزال صداه يتردّد في أرجاء أوروبا والعالم حتى اليوم: "فرنسا، الابنة البكر للكنيسة، هل أنتِ أمينة لوعود معموديتك؟". عصرذاك، كان البابا البولندي الثائر والكاريزمي يجوب الشعوب والبلدان لتحطيم أصنام الأيديولوجيات التي سعت إلى اقتلاع الإنسان من جذوره الروحية، واضعًا الحرية الدينية وكرامة الإنسان في صلب حبريته.
بعد ستة وأربعين عامًا، جاء البابا لاوون الرابع عشر إلى فرنسا، في زيارة حملته من باريس إلى لورد واختار أن يختتمها في متز، المدينة التي تحمل دلالات سياسية وثقافية لارتباطها باسم روبرت شومان (29 حزيران 1886 - 4 أيلول 1963)، أحد الآباء المؤسسين لأوروبا الحديثة ووزير الخارجية الفرنسي الأسبق، الذي أعلنته الكنيسة "مكرّمًا" في حزيران 2021. تجدر الإشارة إلى أن "عرّاب أوروبا" كان كاثوليكيًا ملتزمًا، يواظب على الصلاة والمشاركة في القداس يوميًا في الكنيسة القريبة من منزله حيث كان يدخل بهدوء ويجلس في المقعد الخلفي، وكان شومان من حاملي "المسبحة الوردية" باستمرار. وشكّل إيمانه قاعدة أساسية لرؤيته السياسية وللمصالحة الأوروبية بعد حربين عالميتين، التي أدت إلى إنشاء الاتحاد الأوروبي.
في متز وتحديدًا في المركز الذي يحمل اسم شومان، أعاد لاوون الرابع عشر طرح سؤال يوحنا بولس الثاني نفسه، ولكن بصيغة تحاكي القرن الحادي والعشرين: "من أين جاءت أوروبا، وإلى أين تذهب إذا فقدت ذاكرتها؟
وأضاف في خطابه، أنه "لا يمكن الحديث عن أوروبا من دون ذكر المسيحية"، مستعيدًا شومان والقديس بندكتس والإرث الرهباني الذي ترك أثره في التعليم والمستشفيات والجامعات والعناية بالفقراء، وفي بناء الحضارة الأوروبية.
من الشيوعية إلى "الوثنية الجديدة"
واجه يوحنا بولس الثاني عالمًا منقسمًا بين شرق وغرب، واتحادًا سوفياتيًا جعل الإلحاد "إيمانًا" رسميًا، فخنق الحياة الدينية وأقفل المؤسسات الكنسية. وكان أول نظام دولي وربما في التاريخ يفرض بالقوة والقمع على الإنسان عدم الإيمان، ويطارده حتى في معتقداته وأفكاره. كانت الشيوعية، على قسوتها وديكتاتوريتها، خصمًا واضح المعالم. أي، عقيدة معلنة، سلطة مركزية، هرمية تنظيمية وتفرعات يمكن تحديدها ومواجهتها. وكان سقوط المركز كفيلا، إلى حدّ بعيد، بإضعاف الأذرع المرتبطة به وتفكيك المنظومة التي تستند إليه.
اليوم، انتقل "جدار برلين" إلى داخل العائلة والمجتمع ومؤسسات السلطة، وأصبحت خطورته في كونه غير مرئي. حجارته ليست إسمنتًا وأسلاكًا شائكة، إنما منظومات فكرية وثقافية تعيد صياغة مفاهيم الحرية والإنسان والهوية وتشويهها.
وفي توصيف مبكر وعميق لتحولات الفكر والثقافة الحديثة، استخدم جوزف راتزينغر، البابا بنديكتس السادس عشر لاحقًا، في محاضرة ألقاها عام 1958، تعبير "الوثنية الجديدة"، مستشرفًا آنذاك براثن الزمن الراهن. هذه التيارات الإلحادية واليسارية، لا تقيم في مركز أو معبدٍ، ولا تخضع لهيكلية موحدة، بل تنتشر عبر الثقافة والإعلام والتعليم والمؤسسات والمفاهيم الاجتماعية. وهي تدفع، تحت عناوين الحرية وحقوق المرأة والحقوق الفردية، نحو إبعاد القيم الروحية والأخلاقية عن الحياتين العامة والخاصة للإنسان، وإعادة تعريف مفاهيم الجندر والأسرة والانتماء، بما يثير مخاوف من تآكل الخصوصيات الثقافية والحضارية وإضعاف الهويات التي شكّلت تاريخ المجتمعات وأسهمت في تماسكها.
وفي كانون الأول 2021، من على متن طائرة العودة من أثينا إلى روما، وجّه البابا فرنسيس "توبيخًا كبيرًا" للاتحاد الأوروبي على خلفية "وثيقة عيد الميلاد"، التي اقترحتها مسؤولة "المفوضية الأوروبية للمساواة" آنذاك هيلينا دالي، تدعو فيها إلى استخدام مصطلح "فترة الأعياد"، بدلا من عطلة "عيد ميلاد المسيح"، أو "الميلاد المجيد"، تحت شعار "المساواة والشمولية"، الأمر الذي أدى إلى موجة اعتراضات أوروبية وفاتيكانية. لم يقف البابا فرنسيس حينها عند التوبيخ، فأشار إلى أن "هناك الكثير من الأمبراطوريات والديكتاتوريات حاولت القيام بذلك أمثال نابليون، كما النازية والفاشية والشيوعية، التي اعتمدت أسلوب تقطير العلمانية. هذا شيء لم ينجح عبر التاريخ".
وفي قلب هذا النقاش حول علاقة أوروبا بجذورها المسيحية، تكتسب كلمات الفيلسوف اللبناني الأممي شارل مالك دلالة خاصة، إذ يقول: "إحذف أثر يسوع المسيح المباشر وغير المباشر في التاريخ - أعني في الفن، والموسيقى، والشعر، والأدب، والفلسفة، والقانون، والثقافة، والحضارة، والأخلاق، والعادات، والروح، وتكوين الشعوب، وعلاقات البشر العادية - إحذف أثر يسوع المسيح في التاريخ، تحذف، إن لم أقل التاريخ كله، فأهم شيء فيه. هذا بعض ما عناه دستور الإيمان بعبارة "الذي به كان كل شيء". وتجدر الإشارة إلى أن فكر مالك يشكّل مرجعًا حاضرًا في دراسات مسيحية وفكرية أوروبية وأميركية تبحث في إعادة الاعتبار إلى القيم الإيمانية والعائلية ودورها في الحضارة الغربية. ومنذ عام 2022، خصصت جامعة كامبريدج فصلا لشارل مالك، تناول علاقته بفكر القديس أوغسطينوس ومفهوم القانون الطبيعي وحقوق الإنسان.
لماذا أوروبا؟
صحيح أن الدور السياسي والاستراتيجي لأوروبا تراجع نسبيًا على الساحة الدولية، إلا أنها لا تزال مصنعًا أساسيًا للأفكار والمفاهيم والقيم التي تنتقل لاحقًا إلى أجزاء واسعة من العالم. وفي قلب هذا المختبر تُعد فرنسا "الابنة البكر للكنيسة"، الأم الأولى للعلمانية الحديثة بمفومها الإلحادي، منذ قانون الفصل بين الكنائس والدولة عام 1905.
وهنا تكمن إحدى أهم رسائل زيارة لاوون الرابع عشر. فهو لم يأتِ ليطالب الفرنسيين بالتخلي عن العلمانية، ولم يطرح عودة الدولة الدينية، بل أعاد فتح النقاش حول معنى العلمانية نفسها. وفي خطابه أمام السلطات الفرنسية، قال إن "العلمانية الأصيلة" لا تقوم على إقصاء الدين من المجال العام أو من التربية، بل على إبقاء الحوار قائمًا بين الدولة والمؤسسات الدينية والعمل معًا في خدمة الخير العام.
أراد أن يذكّر الأوروبيين بأن أوروبا الحديثة لم تولد في بروكسل. سبقتها أثينا وروما، والأديرة والجامعات والكاتدرائيات والمدارس والمستشفيات، وسبقتها قرون من النقاش حول معنى الإنسان والحرية والكرامة والخير والشر. وهذا لا يعني اختزال أوروبا في المسيحية وحدها أو إلغاء ما أضافته إليها تيارات الفكر الأخرى، بل يعني أن محو المسيحية من قراءة التاريخ الأوروبي يجعل هذه القراءة ناقصة.
ومن هنا، شكل مشهد الحشود الغفيرة التي خرجت لاستقبال البابا لاوون الرابع عشر، والمشاركة في اللقاءات الروحية والصلاة والقداسات، صدمة كبيرة في أوساط التيار اليساري العبثي، فعشرات الآلاف من الشبان الذين ملأوا "Stade de France"، والحشود التي رافقت البابا في باريس ولورد ومتز، قدّمت صورة مغايرة للرواية التي اعتبرت أن المسيحية الأوروبية تسير نحو انحسار تاريخي محتوم، وأظهرت أن المجتمع لم يقطع صلته بجذوره المسيحية، وأن شريحة واسعة لا تزال متمسكة بحقها في إعلان إيمانها وهويتها في المجال العام.
ولم يغب هذا التحول عن الإعلام والباحثين الفرنسيين، إذ تحدثت صحيفة Le Monde عن "تجدد دينامية الكاثوليكية" في فرنسا، مع ارتفاع ملحوظ في أعداد عمادات المراهقين والبالغين، فيما رأى عالم الاجتماع الفرنسي Yann Raison du Cleuziou أن العلمنة أفضت إلى مفارقة لافتة: فهي قلّصت العدد الإجمالي للممارسين، لكنها أبقت داخل الجماعة الدينية المؤمنين الأكثر اقتناعًا والتزامًا، بما أدى إلى تكثيف الهوية الدينية وزيادة القدرة على التعبئة.