رفيق خوري

أبعد من الانتخابات: عقدة الاتفاق الإطاري

4 دقائق للقراءة

لا مهرب في لبنان من لعبة الانتظار. وكل ما في السياسة اليوم هو انتظار ما بعد الانتخابات النيابية في إسرائيل والانتخابات النصفية للكونغرس وما يدور بين أميركا وإيران. وكل ما في الانتظار هو الرهان على تحريك الجمود الحاصل في المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركا. لكن الجمود ليس مجرد مسألة تفرضها الحسابات الانتخابية، على أهمية هذه الحسابات في إدارة المعارك والسياسات. فهو كان قائمًا في الواقع حتى خلال التفاوض وتعدد جلساته التي بدت مراوحة في المكان. وصيغة "الاتفاق الإطاري" هي في حدّ ذاتها وصفة للجمود، من حيث كان التصوّر أن نقل المفاوضات من وزارة الخارجية الأميركية إلى البيت الأبيض ثم إلى روما هو إشارة إلى دينامية تحرّك واستعجال التوصّل إلى نتائج.

لماذا؟ لأن نقطة القوة التي رأتها بيروت في التلازم بين الانسحاب الإسرائيلي وسحب السلاح من "حزب الله" بدت نقطة الضعف في التجربة. وهذا فيلم رأيناه أيام فرضت دمشق "التلازم والتوازن والتزامن" بين المسارين السوري واللبناني في مفاوضات التسوية الشرق أوسطية بعد حرب "عاصفة الصحراء" ومؤتمر مدريد من دون حدوث شيئ.

ذلك أن ما أصرت عليه أميركا ومعها إسرائيل ودول أوروبية وعربية، هو ربط الانسحاب الإسرائيلي والمساعدات والاستثمارات وإعادة الإعمار وعودة النازحين ودعم الجيش بسحب السلاح غير الشرعي. وما أكدته الدولة بالقرار السياسي والعسكري، على الرغم من قرار حصرية السلاح واعتبار النشاط العسكري والأمني لـ"حزب الله" خارج الشرعية، هو الرفض المعلن لسحب السلاح بالقوة وسط تمسك أصحاب السلاح به. والنتيجة الواضحة في غياب سحب السلاح هي تجميد كل البنود الموعود بها لبنان إلى أن يقوم بسحب السلاح عمليًا. والمعنى البسيط لذلك هو بقاء الاتفاق الإطاري على الورق سواء استمرت جلسات التفاوض معلقة أو جرت معاودتها دوريًا.

وهذا وضع محرج جدًّا للدولة التي تعرف لماذا لا تريد الاصطدام مع "حزب الله"، وتدرك أنه مستعد للصدام معها والتلويح بإسقاطها في الشارع وبالسلاح. فلا هي تريد الخروج من المفاوضات، كما يطالبها "الحزب" لأن الكلفة كبيرة، ولا هي تستطيع الحصول على شيئ مهم مع البقاء في التفاوض، من دون أن تنفذ قرار حصرية السلاح. وهذا الوضع ليس مثل حال اللا حرب واللا سلم، بل هو حال حرب مستمرة تقرر مداها إسرائيل، ويقرر "الحزب" حجم الانخراط أو اللاانخراط فيها.

وکما في حرب إیران كذلك في حرب لبنان: الفاعلون هم أنفسهم، أميركا وإسرائيل وإيران و"محور المقاومة". والمعادلة هي نفسها في حروب ناقصة. فلا من السهل التوصل إلى تسوية إلا ناقصة في حرب ناقصة. ولا الذهاب إلى إكمال الحرب بكل أهوالها يضمن الوصول إلى حلّ من دون نصر واضح، لا متوهّم، لأحد طرفيها.

وفي مثل هذا الحال، فإن انتظار ما بعد الانتخابات في إسرائيل وأميركا ليس ضمانًا للسرعة في العودة إلى حركة التفاوض، ولا لتغيير حسابات المفاوضين، ولو تبدلت حكومة نتنياهو وخسر دونالد ترامب سيطرة حزبه الجمهوري على أحد مجلسي الكونغرس، النواب أو الشيوخ. لا مواقف أميركا وإسرائيل وأوروبا والدول العربية تعجّل بالمساعدات للبنان مع بقاء السلاح غير الشرعي. لا الدولة تتخلى عن رهانها الرومنطيقي على الحوار لإقناع "الحزب" بتسليم سلاحه للجيش. ولا "الحزب" يتخلى عما سماه رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد التزام

"الولاية والمقاومة".

والتحدي أمام الدولة ليس فقط سحب السلاح بل أيضًا منع استخدامه في حرب جديدة لإسناد إيران في مواجهة مع أميركا واسرائيل. وما كان الرئيس نواف سلام ووزير الخارجية جو رجي في حاجة إلى لقاء في نيويورك مع الرئيس مسعود بزشكيان والوزير عباس عراقجي لاكتشاف التنمر الإيراني على لبنان والنظرة إليه كمساحة جغرافية لعمل المقاومة المرتبطة بالحرس الثوري. "وفي المخاطرة جزء من النجاة" كما قال النفري.