باغتيال عز الدين البيك، قائد الاستخبارات العسكرية في لواء الشمال في "كتائب القسام" وأحد المشرفين على هجوم 7 أكتوبر، تؤكد إسرائيل استمرار نهج أمني هجومي يجعل تعقّب قادة خصومها عملية مفتوحة، تتجاوز تبدّل مراحل الحرب واتفاقات وقف إطلاق النار. فالضربة التي استهدفته في مدينة غزة تحمل بعدًا عملياتيًّا يتّصل بإضعاف قيادة "حماس"، وآخر سياسيًّا يكتسب ثقله مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأوّل.
منذ هجوم 2023، يرتكز هذا النهج على ملاحقة المسؤولين عنه وضرب قدرات التنظيمات المعادية قبل استعادتها زمام المبادرة. ويكشف استمرار الاغتيالات خلال هدنة غزة عن تفسير إسرائيلي لوقف النار يُتيح التدخّل العسكري تحت عنوان منع إعادة التسلّح وإحباط الهجمات. وفي المقابل، تنفي "حماس" هذه الاتهامات وتعتبر الضربات تقويضًا للاتفاق، ما يُبقي التهدئة رهينة نزاع على شروطها وحدودها وآليات تنفيذها.
وجاء تهديد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس لقادة الحركة في الخارج ليمنح اغتيال البيك امتدادًا إقليميًّا. فحديثه عن نجاتهم سابقًا بسبب "خلل"، في إشارة ظاهرة إلى ضربة الدوحة، يعيد تأكيد استعداد إسرائيل لملاحقتهم خارج القطاع. وتحمل الرسالة ضغطًا على قيادة "حماس" وحسابات تحرّكها، وتضع الدول المضيفة والوسطاء أمام احتمال تكرار عمليات تمسّ سيادتهم وتُربك قنوات التفاوض.
أما تحذير بنيامين نتنياهو من هجمات محتملة قبيل الانتخابات، فيجمع بين الردع الخارجي والتعبئة الداخلية، إذ يقدّم رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه بوصفه صاحب القدرة على استباق الخطر والوصول إلى مصادره، فيما يخوض أوّل انتخابات منذ الإخفاق الأمني الذي وقع في عهده. ويُتيح إبراز الاغتيالات والعمليات البعيدة نقل النقاش الانتخابي نحو قدرته على إدارة الردّ، وتخفيف وطأة السؤال عن مسؤوليّته عن الإخفاق في منع الكارثة الأصلية.
لكن هذا الاستثمار يصطدم بمنافسة ذات وزن أمني، يُمثّلها رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، وباستطلاعات تشير إلى تراجع "الليكود". ويكشف طلب السياسي المعارض يائير لابيد إحاطة عاجلة حساسية إدخال المعلومات الأمنية في الخطاب الانتخابي. فالمعارضة تريد معرفة حقيقة التهديد وكيفية حماية الاستحقاق. وتبقى المعطيات المتاحة عاجزة عن حسم مقدار الخطر أو إثبات أن التحذير يستند إلى حساب انتخابي بالدرجة الأولى.
وتزداد المعادلة تعقيدًا مع ترابط الساحات، بشكل أو بآخر، من غزة والضفة إلى لبنان وسوريا وإيران. فالضغط الأميركي على طهران، واستمرار العمليات في الساحات الأخرى، يجعلان أي ضربة قابلة لاستدعاء ردّ يتجاوز موقعها. وفي الضفة، يضيف عنف المستوطنين مصدر اضطراب داخليًّا يختبر قدرة الحكومة على ضبط قوى تتقاطع معها سياسيًّا. أما وقف النار مع إيران، فتبقى استدامته مرتبطة بحسابات الردع وحدود الردود المتبادلة.
تكمن مجازفة نتنياهو في أن كلّ نجاح تكتيكي يمنحه مادة انتخابية، في حين قد يفتح توسيع الاستهداف مواجهة يصعب ضبط توقيتها وكلفتها. كما أن تعطّل التسويات وإعادة الإعمار واستمرار الاستنزاف يحدّان من ترجمة التفوّق العسكري إلى استقرار مستدام. وبين حاجته إلى ترميم صورته الأمنية وسعيه إلى منع تشكّل غالبية بديلة، يخوض الحملة الانتخابية محكومًا بسؤال يتجاوز حصيلة الاغتيالات: إلى أي مدى يستطيع تحويل القوّة إلى أمن، والأمن إلى تفويض جديد بالبقاء؟