تسقط رسالة "الحرس الثوري" المفتوحة إلى الناخبين الأميركيين عند أوّل اختبار لصدقيّتها: كيف يستقيم عرض "التعايش السلمي" مع التهديد بضرب البنى التحتية لدول الجوار وتعطيل تجارتها؟ الجهة التي تطلب من الأميركيين استخدام أصواتهم لتغيير سياسات بلادهم تنتمي إلى منظومة دموية ذبحت الإيرانيين حين طالبوا بتغيير أوضاعهم. وبين مخاطبة حرّية الاختيار في الخارج وخنقها في الداخل، تنكشف وظيفة الرسالة: استثمار التعب من الحرب لتحسين شروط بقاء النظام وقدرته على التفاوض.
في صفحاتها الـ 25، تحاول الرسالة نقل مركز النقاش من سلوك طهران الخبيث إلى شخصية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتقديم الخلاف بوصفه نتيجة تضليل يمارسه الرئيس الجمهوري بحق ناخبيه. غير أن إعلان سلمية البرنامج النووي يحتاج إلى ضمانات قابلة للتحقّق، فيما تحتاج صدقية التعايش إلى سلوك يحترم الإيرانيين أوّلًا وسيادة الجيران ثانيًا. أما التباهي بخنق صادرات الخليج، فيقدّم بنفسه الدليل على استخدام الاقتصاد العالمي أداة إكراه. وبذلك، تحمل الرسالة عناصر نقضها داخل خطابها.
ويكشف توقيتها، قبل انتخابات التجديد النصفي بنحو خمسة أسابيع، رهانًا على تحويل كلفة الطاقة إلى ضغط انتخابي على الجمهوريين. ويمكن قراءة الجمع بين الرسالة وتعطيل الملاحة باعتباره محاولة لترجمة الضرر الاقتصادي إلى مكسب سياسي. لكن هذا الرهان محفوف بالمخاطر؛ فقد يدفع الناخب إلى تحميل طهران مسؤولية إضافية، خصوصًا حين تقترن دعوتها إلى السلام بوعيد علني للسفن والمنشآت المدنية.
خلف هذه المناورة، تتّسع المأساة الإيرانية. شهادات المواطنين التي تنقلها الوكالات العالمية ترسم اقتصادًا تنكمش فيه القدرة على شراء الغذاء والدواء، وتلتهم الإيجارات الدُّخول، وتضيع الوظائف والمدّخرات. مهندسون يغادرون طهران إلى مناطق أقلّ كلفة، وأسر ترتّب احتياجاتها حول الطعام، وأبناء يعجزون عن تأمين علاج أمهاتهم. والسبب الرئيسي للاختناق هو سياسات نظام الملالي الفاشلة والفاسدة، والتي أولت أهمية لـ "تصدير الثورة" على حساب الاهتمام بشؤون الإيرانيين.
والأشدّ دلالة أن الانشغال بتأمين البقاء يستهلك حتى القدرة على الاحتجاج. الصمت الناتج عن الإنهاك والخوف يمنح السلطة فسحة، ولو موَقتة، لكنه يراكم هشاشتها الاجتماعية وسط نقمة شعبية عارمة تزداد اتّساعًا. وبعد قمع احتجاجات كانون الثاني، يصبح الحديث عن مخاطبة وعي الأميركيين مثقلًا بمفارقة نظام قاتل يخشى التعبير الحرّ داخل حدود جمهوريّته الإسلامية.
في المفاوضات، يتركّز الجهد الراهن على هرمز، عبر الوساطة القطرية والاتصالات التي شهدتها نيويورك. وتربط طهران إعادة فتحه برفع الحصار والإفراج عن الأموال وتثبيت وقف القتال على جبهات متعدّدة. وبحسب التقارير، تقترح تقريب موعد التفاوض النووي إلى سبعة أيام، مقارنة بستين يومًا في تفاهم حزيران. يوحي هذا التعديل بحاجتها إلى تسريع المسار، مع بقاء المسافة واسعة بين شروط الطرفين، خصوصًا بعد رفض ترامب المقترح الأساسي ونفيه تقديم عرض لتخفيف العقوبات، علمًا بأن واشنطن فرضت عقوبات جديدة أمس على 10 أفراد وكيانات، من بينها جهات تتّخذ من الصين وهونغ كونغ وباكستان مقرًّا، وذلك لمساعدتهم وزارة الدفاع الإيرانية في شراء أسلحة ومكوّناتها.
ويفاقم تهديد رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف باستهداف البنى التحتية أزمة الثقة. فربط أمن المنطقة بالسماح لإيران ببيع نفطها يُبقي الجوار "رهينة تفاوضية". وقد عبّر الموقف القطري عن حدود واضحة لهذا السلوك، بمطالبة طهران بإبعاد دول الخليج والأردن عن حرب لم تختر المشاركة فيها.
في المقابل، يكتسب استقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان نائب رئيس الإمارات الشيخ منصور بن زايد أهمية تتجاوز البروتوكول. فحضور وزير الدفاع السعودي وتشكيلة الوفد الإماراتي، بما تضمّه من مسؤولين عن الأمن الوطني والطوارئ والتمكين الدفاعي، يمنحان اللقاء دلالة أمنية واضحة. وتزداد قيمة التنسيق بين الرياض وأبوظبي مع تداخل تهديدات الخليج وتصعيد الحوثيين في اليمن والبحر الأحمر، إذ يتيح تقارب الأولويات تضييق المساحات التي تستفيد منها القوى المعادية، وتعزيز حماية المنشآت والممرّات البحرية.
وتمنح عودة تحميل النفط من ينبع، بعد تشغيل خط شرق - غرب، هذا الاتجاه سندًا عمليًا. فاستعادة منفذ تصدير يتجاوز هرمز تقلّص أثر محاولات عرقلة الملاحة فيه، وتدعم مرونة الإمدادات السعودية. ومع ذلك، تبقى التدفّقات دون مستوياتها السابقة، لكنّها سترتفع بسرعة. ويذكّر الهجوم على الخط وتهديد الملاحة عند باب المندب بأن البدائل تحتاج بدورها إلى حماية مستمرّة. وتكمن قوّة الاستجابة الخليجية في جمع التنسيق السياسي والحماية الأمنية واستمرارية الاقتصاد. وكلّما اتّسعت هذه القدرة، تراجعت قيمة التهديد الإيراني.