الدكتور سايد حرقص

المستقبل لا يحتاج إلى عرّاف. يحتاج إلى دولة

4 دقائق للقراءة

في كتابها الصادر عام 2026، Prophecy: Prediction, Power, and the Fight for the Future, from Ancient Oracles to AI، تنطلق الفيلسوفة كاريسا فيليز من فكرة فلسفية خلاصتها: منذ العصور القديمة، حاول الإنسان أن يعرف المستقبل. تغيّرت الأدوات؛ من العرّاف والمنجّم إلى الإحصاء والخوارزمية والذكاء الاصطناعي، لكن بقي السؤال نفسه: من يملك القدرة على التنبؤ، ومن يملك سلطة تحويل التنبؤ إلى قرار؟

في لبنان، تبدو هذه المسألة أكثر تعقيدًا. فمنذ عقود، لم يعد اللبنانيون يتعاملون مع مستقبل بلدهم بوصفه نتيجة طبيعية لعمل مؤسسات الدولة وخيارات مواطنيها، بل أصبح مستقبلهم مرتبطًا بما ستؤول إليه صراعات المنطقة، وما ستقرره القوى الإقليمية والدولية، مما دفعهم إلى أن يفقدوا القدرة على صناعة مستقبلهم، وبدؤوا يتعاطفون مع المحاور الإقليمية من دون أي مبرر عقلاني، فقط لاعتقادهم أن انتصار هذا المحور أو ذاك يمكن أن يقوّي زعيمهم أو حزبهم أو عشيرتهم.

تقول فيليز، في جوهر أطروحتها، إن التنبؤ يصبح خطيرًا عندما يتحول من محاولة لفهم المستقبل إلى وسيلة لصناعته، وهذه الفكرة تستحق التوقف عندها في لبنان اليوم.

عندما يُقال إن الحرب ستندلع لأن المنطقة تتجه إلى الحرب، أو إن السلم سيأتي لأن تسوية إقليمية أصبحت قريبة، أو إن بقاء السلاح خارج الدولة ضرورة لأن الظروف لا تسمح بغير ذلك، يتحول التوقع تدريجيًا إلى مبرر للسياسة.

فالقول إن الظروف الإقليمية تفرض على لبنان مسارًا معينًا لا يعني أن لبنان لا يملك أي قدرة على الاختيار. بل إن السؤال السياسي الحقيقي هو: ما مقدار ما تبقى من القرار اللبناني الحر داخل المؤسسات الدستورية، وما مقدار ما أصبح رهينة لمعادلات إقليمية ودولية؟

وهنا تحديدًا تصبح قضية السيادة أكثر من شعار سياسي؛ تصبح قضية قدرة على صناعة المستقبل.

من هذه الزاوية، يمكن قراءة الواقع اللبناني من خلال نظرية فيليز، لأن السياسيين والمحللين يقولون للبنانيين إن المستقبل معروف سلفًا: فمنهم من يؤكد أن المقاومة ستنتصر، وآخرون يرون أن إسرائيل ستفرض شروطها، وبعضهم يشدد على أن إيران ستعقد الصفقة الكبرى، أو أن الولايات المتحدة ستفرض الحل، أو أن المجتمع الدولي سيأتي لإنقاذ لبنان، أو أن التسوية الإقليمية المقبلة ستعيد ترتيب الداخل اللبناني.

لكن كل هذه ليست حقائق عن مستقبل لبنان؛ إنها مجرد توقعات وقراءات سياسية.

الخطر يبدأ عندما تتحول التوقعات إلى قناعة بأن لا فائدة من بناء الدولة، لأن «الأحداث الكبرى» ستقرر كل شيء. عندها يصبح المواطن متلقيًا للمستقبل، لا شريكًا في صناعته.

الدولة الحديثة لا تحتاج إلى عرّاف يتنبأ بما سيحدث، بل إلى مؤسسات تستعدّ لما قد يحدث. فقوة الدولة تُقاس بقدرتها على استشراف المخاطر، والاستعداد للاحتمالات، واتخاذ القرارات في الوقت المناسب، بحيث لا تتحول المفاجآت إلى أزمات، ولا الأزمات إلى كوارث.

لهذا، المطلوب من الدولة أن تكون مستعدة لكل الاحتمالات. وهذا يعني جيشًا منظما قويا قادرًا على حماية الحدود، ومجلس وزراء يقرر وينفذ، ودبلوماسية مدعومة من مؤسسات الدولة كافة، واقتصادًا قادرًا على الصمود، وقضاءً قادرًا على تطبيق القانون، وطبقة سياسية تقبل بنتائج المؤسسات الدستورية، وشعبًا يؤمن بأنه شعب واحد لا مجموعات متفرقة، ومواطنًا راسخ الإيمان بنهائية لبنان، فلا تدفعه أزمات المنطقة إلى حرق وطنه دفاعًا عن أي قضية أو سبب خارجي.

الخطر الأكبر ليس فقط أن تخطئ الخوارزمية، أو يخطئ المحلل، أو يفشل السياسي في توقع المستقبل.

الخطر هو أن يقتنع المجتمع بأن المستقبل قدرٌ خارجي لا يمكن تغييره بأي جهدٍ داخلي. عندها يصبح الاستسلام للواقع نوعًا من العقلانية، وتصبح السيادة وجهة نظر، وتتحول الدولة إلى مجرد إدارة للنتائج التي يقررها الآخرون.

لهذا، يتطلب تجاوز هذا الخطر استعادة المعنى الحقيقي للسيادة: أن يكون قرار الحرب والسلم، والأمن والدفاع، والعلاقات الخارجية قرارًا وطنيًا موحدًا، تحكمه استراتيجية واضحة لمؤسسات الدولة، وتستند إلى البيان الوزاري الذي نالت الحكومة الثقة على أساسه، وخطاب القسم الذي انتُخب الرئيس على أساسه.

وهذا هو التحدي اللبناني الحقيقي لأن المستقبل لا يحتاج إلى عرّاف. يحتاج إلى دولة.