مروان الأمين

"أزعر الحيّ"

3 دقائق للقراءة

كان السيد حسن نصرالله صانع مجد "حزب الله" في لبنان، وحائك السردية التي نجح في تقديمها إلى بيئته الشيعية على مدى سنوات طويلة. قامت هذه السردية على ركيزتين: وعد بالإنجاز يقابله إنجاز يُقدَّم بوصفه دليلا على صحة الوعد. وتقديم "الحزب" لنفسه باعتباره صاحب قدرات عسكرية رادعة لإسرائيل، والجهة التي تؤمّن الحماية والاستقرار للجنوبيين.

لسنوات، تعاملت الجماعة الشيعية مع هذه السردية باعتبارها حقيقة مكتملة لا تحتاج إلى نقاش. وساهم انسحاب إسرائيل عام 2000، ثم الانسحاب الذي أعقب حرب تموز 2006، وما تلاهما من تصاعد في سيطرة "حزب الله" ونفوذه داخل لبنان، في تعزيز هذه القناعة عن صورة "الحزب" بوصفه الرادع والحامي.

لكن اهتزاز هذه السردية حصل بشكل تدريجي بعد فتح "حرب إسناد غزة". فنجاح إسرائيل في الوصول إلى عدد من قادة "الحزب" واغتيالهم، بدأ يترك أثرًا داخل البيئة الشيعية، وإن كان في البداية محدودًا. وبدأت الأسئلة تتسع حول حجم الخرق الأمني الذي تمكنت من تحقيقه داخل بنية "الحزب" التنظيمية والعسكرية.

حاول نصرالله احتواء هذا الاهتزاز، عبر التركيز في أكثر من خطاب على مطالبة القيادات والعناصر التخلي عن استخدام الهاتف الخليوي. لكن هذه الرسالة لم تكن إجراءً أمنيًا داخليًا، فـ"حزب الله" يمتلك قنواته التنظيمية التي تتيح له تعميم مثل هذه التعليمات بعيدًا من المنابر، بل كانت محاولة منه لـ"ترقيع" اهتزاز ثقة البيئة الشيعية بالسردية، عبر تقديم رواية تفسّر أن المشكلة ليست في اختراق استخباري إسرائيلي واسع لبنية "الحزب"، بل في استهتار بعض العناصر والقيادات بالإجراءات الأمنية واستخدامهم الهاتف الخليوي.

إلى أن وقعت الفاجعتان اللتان أنهتا عمليًا السردية التي بناها "حزب الله" طوال عقود: عملية أجهزة البيجر، ثم اغتيال حسن نصرالله.

عندها لم يعد السؤال يتعلق بخطأ أمني هنا أو إهمال فردي هناك، ولم يعد ممكنًا تفسير ما حدث باعتباره مجرد ثغرة ناجمة عن استخدام الهاتف الخليوي. فالمشهد الذي تكشّف أمام البيئة الشيعية كان أكبر بكثير من قدرة "الحزب" على "ترقيعه".

وجاءت بعدها "حرب إسناد إيران" التي أدت إلى عودة الاحتلال الاسرائيلي لأجزاء واسعة من الجنوب بعد 26 عامًا على انسحابه، لكي تُسقط بالكامل سردية "حزب الله" عن القوّة والردع والحماية.

لم يكن سقوط السردية حدثًا واحدًا، بل مسارًا بدأ بالاهتزاز، ثم تحوّل إلى شكّ، قبل أن يصل إلى لحظة الانكشاف الكامل مع البيجر واغتيال نصرالله، ولاحقًا، وصول الجيش الاسرائيلي إلى مشارف مدينة النبطية.

إذا كانت البيئة الشيعية قد أيّدت "حزب الله" طويلا انطلاقًا من اقتناعها بقدراته وتصديقها لسرديته، فإن جزءًا كبيرًا منها اليوم لم يعد مقتنعًا بهذه القدرات، بعدما سقطت سردية "الحزب" ولم يتمكن من إنتاج سردية جديدة.

ومع ذلك، لم يسقط التأييد، لأن "حزب الله" لا يزال يملك القوة والسيطرة على الأرض، فيما الدولة اللبنانية لم تفرض بعد هيبتها وسلطتها في المناطق الشيعية.

وهكذا انتقل الانتماء من القناعة إلى الأمر الواقع. وأصبح "حزب الله"، إلى حدّ كبير، أشبه بـ"أزعر الحيّ" خلال الحرب الأهلية، الذي كان يتودد إليه أهل الحي لأنه الأقوى والمسيطر، لكنهم كانوا ينتظرون لحظة التخلص منه.

فالمشكلة لم تعد في قناعة البيئة الشيعية بقدرات "حزب الله" وخياراته، بقدر ما أصبحت في غياب الدولة القادرة على تحريرها من قبضة "أزعر الحيّ".