مع إتمام القوّات الأميركية عملية الانسحاب من العراق، أضحت الميليشيات العراقية التابعة لإيران تفتقر إلى آخر ذرائعها المتبقية لتبرير احتفاظها بسلاحها. غير أن المنطلقات العقائدية لتمسّك تلك الميليشيات بالسلاح لم تُلغَ بمجرّد انتفاء الذرائع التي تتلطّى خلفها منذ سنوات. لذلك، لم يغيّر انسحاب القوّات الأميركية موقف الميليشيات الولائية الرافض لقرار حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي بحصر السلاح بيد الدولة. لكن جماعة إيران في العراق لا تمثّل جميع العراقيين، حتى إنها لا تمثّل جميع الشيعة العراقيين، إذ برزت مواقف من شخصيات شيعية وسنّية وكردية ومسيحية بارزة تدعم بشكل حاسم توجّه حكومة الزيدي.
ينذر هذا الانقسام العميق الذي يشهده العراق حول ملف حصر السلاح باحتمال حدوث صدامات أهلية لا تُحمد عقباها، خصوصًا إذا أصرّت الميليشيات الولائية على رفض حصر سلاحها بيد الدولة ولم تلتزم بالمهلة التي حدّدتها حكومة الزيدي لإتمام المهمّة، والتي تنتهي في نهاية حزيران المقبل. كما أن مواصلة الميليشيات هجماتها الإرهابية على دول الخليج من شأنها أن تستدعي تدخّلًا عسكريًا أميركيًا أو خليجيًا، خصوصًا إذا لم تتّخذ حكومة الزيدي الإجراءات المطلوبة لمنع تلك الهجمات أو تقاعست عن تنفيذ خطة حصر السلاح ضمن المهلة المحدّدة.
تستعدّ الميليشيات الموالية لإيران لهذه السيناريوات، ولا تزال حتى الآن تستبعد خضوعها لقرار حكومة الزيدي، فقد أكّدت أمس أنها "غير ملزمة بأي جدول زمني أو اتفاق" لتسليم أسلحتها إلى الدولة، موضحة أنها كانت تجري محادثات بشأن "تنظيم" سلاحها، لكنها "لم تتلقَّ حتى الآن ردًّا من الحكومة العراقية". يشي رفض الميليشيات الالتزام بمهلة تسليم السلاح واستخدامها مصطلح "تنظيم السلاح" بأنها تنوي اعتماد أسلوب التذاكي وشراء الوقت الذي برعت فيه إيران وميليشياتها الإقليمية على مدى عقود، غير أن الموازين في المنطقة تبدّلت بشكل جذري خلال الأعوام الماضية، ما يضيّق هامش المناورة بالنسبة إلى طهران وأذرعها.
بالإضافة إلى حسابات موازين القوى الخارجية، تواجه الميليشيات العراقية تحدّيات داخلية للحفاظ على سلاحها، إذ تدعم تيارات سياسية بارزة في العراق موقف حكومة الزيدي. وأعلن زعيم "التيار الصدري" مقتدى الصدر أمس حلّ لواء "اليوم الموعود" فورًا، وتحويل "جيش الإمام المهدي" إلى مؤسسة تحمل اسم "أنصار الإمام المهدي"، داعيًا إلى "حصر السلاح بيد الدولة ببرنامج علني ومدروس وذي نتائج واقعية ملموسة ومرضية للشعب والمرجعية". كما دعمت شخصيات سنّية مثل خميس خنجر، والقوى الكردية الرئيسية في كردستان العراق، و"حركة بابليون" المسيحية حصر السلاح بيد الدولة.
يُذكر أن ثلاثة فصائل مسلّحة كانت قد تجاوبت مع خطة الحكومة وسلّمت سلاحها الثقيل، وهي "سرايا السلام" بزعامة الصدر، و"عصائب أهل الحق"، و"كتائب الإمام علي"، في وقت امتنعت فيه خمس ميليشيات عن تسليم السلاح، وهي "حركة النجباء"، و"كتائب سيد الشهداء"، و"كتائب حزب الله"، و"سرايا أولياء الدم"، و"أصحاب الكهف".
وبالنسبة إلى أميركا، يشكّل الانسحاب من العراق خاتمة طال انتظارها، خصوصًا مع انحصار قدرات تنظيم "داعش" الإرهابي وتزايد التحدّيات التي تواجه النفوذ الأميركي في أوروبا الشرقية وأقصى شرق آسيا. وأشاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس بانسحاب القوّات الأميركية من العراق، واصفًا الزيدي بأنه "رائع ومتميّز". وأمل في أن يتمكّن من إدارة أمور البلاد على نحو جيّد. وبينما أثار الانسحاب الأميركي مخاوف مشروعة من استغلال "داعش" أي فراغ أمني محتمل، أكّدت القيادة المركزية الأميركية أن قوّاتها وقوّات "التحالف الدولي" لمحاربة "داعش"، المتمركزة في أنحاء المنطقة، ستبقى على أهبة الاستعداد للردّ على أي تهديدات قد تنشأ من جانب "داعش".