الدكتور سايد حرقص

هل نحن أمام الفصل الأخير من الرواية؟

4 دقائق للقراءة

بعد أكثر من أربعة عقود على أحداث الثمانينيات العاصفة في لبنان، تبدو بعضٌ من أكثر الملفات غموضاً وتعقيداً وكأنها تتجه نحو ختاماتها الحاسمة.

ثمة مساران رئيسيان يمكن تتبعهما في هذا السياق:

المسار الأول: يتعلق بالشخصيات التي اتهمتها الولايات المتحدة بتنفيذ عمليات استهدفت مصالحها ومواطنيها في لبنان خلال الثمانينيات؛ وهي القيادات التي أدت المواجهات الممتدة منذ "حرب إسناد غزة" إلى مغادرة معظمها المشهدين الأمني والسياسي.

المسار الثاني: يتعلق بالجنود الإسرائيليين الذين أُسروا أو فُقدوا في لبنان؛ حيث نجحت إسرائيل، بعد عقود طويلة، في استعادة رفات مفقودي معركة "السلطان يعقوب" الثلاثة، في حين ظل ملف الطيار "رون أراد" الاستثناء الوحيد العالق حتى الآن.

في ما يخص الهجمات على المصالح الأميركية، وتحديداً تفجير السفارة الأميركية في بيروت عام 1983، تشير وزارة الخارجية الأميركية إلى أن إبراهيم عقيل كان عضواً رئيسياً في "منظمة الجهاد الإسلامي" التابعة لحزب الله، وتتهمه بالمشاركة في تفجير السفارة في نيسان 1983، وتفجير ثكنة مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) في تشرين الأول من العام نفسه؛ وهو ما انتهى باغتياله على يد إسرائيل في بيروت خلال أيلول 2024.

أما فؤاد شكر، فتؤكد الخارجية الأميركية دوره القيادي في التخطيط للهجوم على ثكنة المارينز عام 1983؛ وقد اغتالته إسرائيل أيضاً في ضربة لضاحية بيروت الجنوبية عام 2024.

وكان هذا المسار قد شهد قبلهما تصفية عماد مغنية في دمشق عام 2008، وهو الرجل الذي ربطت المصادر الاستخبارية الأمريكية اسمه على مدى عقود بمهندس العمليات الخارجية لحزب الله، والمشرف على سلسلة من الهجمات وعمليات احتجاز الرهائن.

وحتى اللحظة، يبقى طلال حمية الوحيد الذي لم تطله آلة الاغتيال الإسرائيلية أسوة برفاقه، علماً أن واشنطن رصدت مكافأة مالية تصل إلى 7 ملايين دولار لقاء معلومات تؤدي إلى تحديد مكانه أو اعتقاله، بصفته رئيساً لـ"منظمة الأمن الخارجي" للحزب، والتي حمّلتها مسؤولية التخطيط والتنسيق لتنفيذ هجمات استهدفت أهدافاً أمريكية ودولية خارج لبنان.

أما على المسار الإسرائيلي، فالمشهد يأخذ منحى مشابها؛ ففي معركة "السلطان يعقوب" عام 1982، فُقد ثلاثة جنود إسرائيليين هم: زكريا باومل، تسفي فلدمان، ويهودا كاتس. نجحت إسرائيل في استعادة رفات باومل عام 2019، ثم رفات فلدمان عام 2025، لتعلن في عام 2026 استعادة رفات يهودا كاتس.

وبذلك يُغلق ملف مفقودي السلطان يعقوب بالكامل، لتبقى قضية الطيار رون أراد النقطة الوحيدة غير المحسومة؛ إذ أُسر هو بعد سقوط طائرته في لبنان عام 1986، ولا يزال مصيره يلفه الغموض والتكهنات.

في المحصلة؛ تُقفل الحسابات القديمة الواحد.تلو الآخر: قُتل أغلب المطلوبين لواشنطن ، واستُعيدت رفاة الجنود الإسرائيليين باستثناء رون أراد. يأتي كل ذلك في وقت تتصاعد فيه الضغوط الأمريكية والإسرائيلية لإنهاء مهام قوات "اليونيفيل"، بينما يواصل الجيش الإسرائيلي تدمير القرى الحدودية وتوسيع نقاط انتشاره، في ظل مشهد تبدو فيه قيادة «حزب الله» أمام انهيار سياسي ومعنوي حاد، بعدما تهاوت تحصيناته العسكرية وسردياته الدعائية، فيما تتآكل قدراته القتالية على أرض الواقع، كاشفةً عن فجوة عميقة بين الصورة التي صنعتها الدعاية والواقع الذي فرضته نتائج الحرب.

في الأفلام والروايات، تتسارع الأحداث، وتتساقط العقد، وتنكشف الأسرار كلما اقتربت القصة من فصلها الأخير. وفي ضوء هذه المراجعة الميدانية والتاريخية، يفرض الواقع اللبناني سؤالًا لا يمكن تجاهله: هل نقترب فعلًا من الفصل الأخير في رواية الصراع الأميركي– الإسرائيلي– الإيراني على أرض لبنان، تلك الرواية التي كُتبت فصولها الأولى في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وامتدت أحداثها لعقود، وتداخلت فيها الحروب والاغتيالات والصفقات والتحولات الإقليمية؟