طهران في مرمى الحساب المؤجّل

5 دقائق للقراءة

فتح كلام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن احتمال ارتباط مهاجم طائرة "فلاي دبي" بإيران بابًا إضافيًا للقلق في منطقة تتراكم فيها أسباب الانفجار. فوصفه مساعد الطيار بأنه خضع لـ "تلقين عقائدي إسلامي متطرّف"، وحديثه عن أنّه كان بوضوح انتحاريًّا، يضعان الحادث ضمن مشهد أمني شديد الخطورة. لكن نتنياهو نفسه أقرّ بأن تحديد أي صلة بطهران ما زال سابقًا لأوانه، فيما نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين أن التقييم الأولي يرجّح تصرّف المهاجم منفردًا، من دون رصد تورّط إيراني حتى الآن.

هذا التمييز أساسي لفهم التداعيات. فإثبات توجيه إيراني سيمنح الحادث بُعدًا تصعيديًا بالغًا، ويضع أمن الطيران المدني في صلب المواجهة. أما ثبوت العمل الفردي، فسيكشف بدوره حجم الثغرات التي يستطيع التطرّف استغلالها. وفي الحالتين، أظهرت الرحلة المتجهة من دبي إلى تل أبيب، وعلى متنها 174 راكبًا، قدرة حادث واحد على استنفار دول عدّة وتهديد حركة السفر والعلاقات الإقليمية، كما ظهر في تعليق "فلاي دبي" رحلاتها من إسرائيل وإليها.

وتقدّمت التحقيقات مع إعلان الداخلية السعودية أن المعطيات الأولية، التي جُمعت بمشاركة فريق أمني إماراتي، تشير إلى اعتداء مساعد الطيار على القبطان، وانتقال الاثنين إلى أبوظبي أمس بعد السماح الطبي لهما بالمغادرة. وفي الإمارات، يشمل التحقيق احتمال وجود غرض إرهابي أو تخطيط وتوجيه مسبقين. وتبقى نتائج هذا المسار المرجع لتحديد المسؤوليات، وسط توتّرات سياسية وأمنية كثيفة في المنطقة.

بالتوازي، اتّسعت التحقيقات في حادث قاعدة فيرفورد البريطانية، التي تستخدمها القوات الأميركية في عملياتها ضدّ إيران. فقد اعتقلت شرطة مكافحة الإرهاب رجلًا يحمل الجنسيتين البريطانية والإيرانية، يبلغ 25 عامًا، للاشتباه في الإعداد لأعمال إرهابية. وجاء ذلك بعد حديث رئيس الوزراء آندي بورنم عن مؤشرات قوية إلى دور إيراني. ويستمرّ التحقيق في احتمال تورّط دولة أجنبية. وإذا ثبت هذا الاحتمال، فستتّسع المواجهة إلى أمن الدول المضيفة للقوات الأميركية.

وتتزامن هذه التطورات مع تضييق أميركي على منافذ إيران الاقتصادية. فالحصار المفروض على طيرانها يتّخذ شكل عقوبات تطاول الشركات ومقدّمي الخدمات وشبكات الإمداد، بما يحدّ من قدرتها على تشغيل الرحلات والوصول إلى المطارات الخارجية. وأضيفت إليه أمس عقوبات استهدفت "إيران خودرو" و"سايبا"، إلى جانب شركات السكك الحديد والصلب والتصنيع، ومنها "هيبكو"، وشركاء أجانب. وتقول الخزانة الأميركية إن هذه القطاعات توفّر للنظام إيرادات وقدرات لوجستية تساعده على الاستمرار وتجاوز القيود.

تستهدف هذه الإجراءات قدرة نظام الملالي على تعويض خسائر عائداته وتمويل أدوات نفوذه. وكلّما ضاقت منافذ التجارة والنقل، ارتفعت كلفة الحفاظ على شبكات الولاء والإنفاق العسكري. غير أن الضغوط تمتدّ أيضًا إلى الوظائف والأسعار ومعيشة الإيرانيين، ما يفاقم التوتر بين مجتمع يستنزفه التدهور وسلطة تتمسّك بأولوياتها الأمنية. وهنا تكمن معضلة النظام: تحويل الموارد إلى حماية بقائه يزيد أسباب الغضب الذي يخشى انفجاره. وسط هذه الأجواء، كشفت "بلومبرغ نيوز" أن إيران عرضت السماح لمفتّشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالعمل داخل أراضيها إذا جرى تخفيف العقوبات.

وبحسب "رويترز"، تخشى القيادة الإيرانية تكرار الاحتجاجات الواسعة التي فجّرتها الأوضاع الاقتصادية، وتشدّد إجراءاتها الأمنية بالتوازي مع الاستعداد لمواجهة خارجية. وتضيف الاشتباكات المتقطعة عامل استنزاف، وآخرها إعلان السلطات مقتل ستة أشخاص وصفتهم بالإرهابيين في زاهدان، فيما أفادت منظمة "حال وش" بقتال بين القوات ومسلّحين. وهذه المواجهات تختلف عن الاحتجاج المدني، لكنها تكشف تعدّد الضغوط الداخلية في لحظة حسّاسة.

أما احتمال استئناف الحرب الواسعة بعد الانتخابات النصفية الأميركية، فقد اكتسب وزنًا إضافيًا مع إبقاء الرئيس دونالد ترامب هذا الخيار مفتوحًا. وترافق ذلك مع أنباء عن إرسال حاملة الطائرات "ثيودور روزفلت" وتعزيزات من مشاة البحرية إلى المنطقة. هذه التحرّكات توسّع خيارات واشنطن، من تعزيز الضغط التفاوضي إلى تنفيذ ضربات جديدة؛ ويظلّ توقيت استخدامها رهن القرار السياسي ومسار المحادثات، من دون اعتبار انتهاء الانتخابات موعدًا محسومًا للحرب.

وبمطالبته الوفد الإيراني بمغادرة أميركا، وفق تقرير "أكسيوس"، أعطى وزير الخارجية ماركو روبيو الانسداد التفاوضي تعبيرًا دبلوماسيًا حادًّا: نفاد الصبر الأميركي بات يطول قواعد الضيافة نفسها. ومع استمرار الوساطة القطرية، تبدو الخطوة إنذارًا داخل التفاوض، في حين يضع ترامب خلفها تهديد القوّة. وبين ضغطٍ يُراد منه انتزاع تنازل وتصلّبٍ قد يُبدّد فرص التسوية، يضيق الوقت وتتّسع احتمالات الانفجار.

وعلى الخطّ السعودي - اليمني، اتّهم التحالف بقيادة السعودية الحوثيين باستهداف محطة كهرباء في المدينة المنورة تغذّي المسجد النبوي، وهو اتهامٌ نفته الجماعة. ويضاعف التصعيد الحوثي بالصواريخ والمسيّرات ضدّ السعودية خطر توسيع الصراع. وبين هذه الجبهات، يواجه النظام الإيراني اختبارًا قاسيًا لسياسة توظيف الأذرع والتهديد بالممرّات الحيوية. فمحاولة تحسين شروط بقائه عبر تعميم الاضطراب قد تستجلب ضغطًا أشدّ، فيما يدفع الإيرانيون وشعوب المنطقة ثمن خيارات سلطة تربط أمنها بإبقاء محيطها تحت التهديد.