ناديا غصوب

سيناريو «فلاي دبي»: حادث طيران أم لعبة انتخابية إسرائيلية؟

3 دقائق للقراءة

لم تنتظر حادثة طائرة «فلاي دبي» التي كانت متجهة من دبي إلى تل أبيب انتهاء التحقيقات حتى تدخل بازار السياسة الإسرائيلية. الطائرة هبطت اضطرارياً في تبوك، وأصيب الطياران، ونجا الركاب، لكن الرواية التي خرجت سريعاً من إسرائيل حول طعن ومحاولة للسيطرة على الطائرة بدأت تأخذ مكانها كحقيقة سياسية قبل أن تصبح حقيقة تحقيقية.

وهنا تكمن خطورة القصة.

حتى الآن، ما يمكن قوله بثقة هو أن طائرة مدنية تعرضت لواقعة دفعتها إلى طلب هبوط اضطراري. أما التفاصيل الأمنية التي أُضيفت إلى الحادثة، فلا تزال بحاجة إلى تحقيق مستقل يحدد ما حصل داخل قمرة القيادة ومن بدأ الاعتداء ولماذا وكيف. الفرق بين «حادث» و«عملية» ليس تفصيلاً لغوياً، بل فرق قد يقلب المشهد السياسي الإسرائيلي رأساً على عقب.

الأكثر إثارة للانتباه هو التوقيت.

قبل أيام من الحادثة، كان بنيامين نتنياهو في أبوظبي في زيارة حملت أكثر من رسالة سياسية وأمنية، وفي مرحلة إقليمية شديدة الحساسية. ثم ظهر نتنياهو محذراً من احتمال وقوع هجمات تستهدف إسرائيل قبل الانتخابات المقررة في أواخر تشرين الأول. وبعد ذلك تأتي حادثة طائرة مدنية متجهة إلى إسرائيل، لتتحول خلال ساعات إلى قصة أمنية قابلة للاستخدام في الحملة الانتخابية.

هل هذه مجرد مصادفة؟

لا أحد يملك حتى الآن دليلاً يجيز القول بغير ذلك. لكن الصحافة لا يفترض أن تتجاهل التزامن لمجرد أن الإجابة غير متوافرة.

اما الأكثر جرأة في القضية هو السؤال الذي بدأ يفرض نفسه خلف الكواليس: هل يمكن أن تكون حادثة محدودة، من دون سقوط قتلى، قد تحولت إلى أداة سياسية أكبر من حجمها الحقيقي؟

هناك فرضية متداولة تتحدث عن احتمال استغلال أحد أفراد الطاقم لتنفيذ عمل محسوب، بحيث تكون النتيجة حادثة أمنية ذات تأثير إعلامي كبير، لا كارثة جوية واسعة. وتذهب الفرضية أبعد من ذلك في الحديث عن ضغوط أو إغراءات أو وعود مقابل تنفيذ المهمة. لكن لا توجد حتى الآن أدلة علنية تثبت هذه الرواية، ولا يجوز التعامل معها كخبر مؤكد.

مع ذلك، فإن مجرد ظهور هذه الفرضيات يكشف شيئاً مهماً عن المناخ الإسرائيلي الحالي: الأمن لم يعد مجرد ملف حكومي، بل أصبح وقوداً انتخابياً.

نتنياهو يخوض المعركة السياسية وفي مواجهته ظل السابع من تشرين الأول، وما سبقه من تحذيرات وما تلاه من إخفاقات وأسئلة عن المسؤولية. المعارضة تستطيع استخدام الماضي ضده، لكن أي تهديد أمني جديد يسمح له بإعادة صياغة المعركة حول سؤال مختلف: من يستطيع حماية إسرائيل الآن؟

وهنا تتحول طائرة «فلاي دبي» إلى أكثر من حادثة طيران.

إذا انتهى التحقيق إلى أن ما جرى فعل فردي، فسيبقى تسلسل الأحداث من أبوظبي إلى تحذيرات نتنياهو ثم حادثة الطائرة مجرد تزامن سياسي جرى استثماره بذكاء.

أما إذا ظهرت أدلة على وجود جهة منظمة، فسيتغير كل شيء، لأن السؤال لن يكون فقط من نفذ، بل من عرف مسبقاً، ومن استفاد سياسياً، ولماذا خرجت الرواية الأمنية بهذه السرعة.

قد لا تحتاج الحسابات الانتخابية إلى حرب لتبديل مسار النقاش؛ أحيانًا يكفي حادث واحد، إذا جاء في اللحظة المناسبة.

والسؤال الذي سيبقى مفتوحاً حتى صدور التحقيق: هل كانت رحلة «فلاي دبي» ضحية حادث أمني، أم أنها أصبحت، من حيث أرادت أو لم ترد، جزءاً من لعبة أمنية انتخابية أكبر منها؟