الموت قدر، والغياب موجع، والعائلة المسيحية تؤمن بأن بعد الموت قيامة. كثر يرحلون، وقلة قليلة تترك بصمتها، ومهما قيل عن ألم الفراق، فالجمرة لا تكوي إلا مكانها.
رحل طوني نعمة، وخسرت تنورين رجلاً من رجالاتها. في الظاهر، هناك رجال يلعبون أدواراً، لكنها تكون قد اختارت الصمت أو عدم الظهور، في حين قد تترك الساحة لبعض من يهوى تكبير حجم بطولاته، بينما البطل الحقيقي قد يختار الابتعاد.
طوني نعمة، رجل من رجالات تنورين، رجل عاش بعيداً عن الإعلام والشهرة، واسمه يتداول من خلال عائلة نعمة الفنية. لكن الحقيقة أن هذا الرجل هو أساس هذا البيت وحجر زاويته، وبرحيله تفتقد العائلة الأب والركن.
كثر من جيلنا لا يعرف الكثير عن طوني نعمة إلا من خلال أبنائه، لكن الحقيقة أن نعمة كان من أوائل الرجال الشجعان الذين انخرطوا في المقاومة الوطنية لمنع تحويل لبنان إلى وطن بديل عام 1975، وكان رائداً في تأسيس لواء تنورين، الذي كان أحد أهم ألوية الجبهة اللبنانية التي قاتلت دفاعاً عن الوجود، قبل أن تتمأسس لاحقاً تحت اسم القوات اللبنانية.
طوني نعمة لبّى نداء شكا عام 1976، وقاد، برفقة شباب تنورين والجوار، الهجوم المضاد لتحرير شكا، قبل وصول باقي قوات الجبهة اللبنانية من جبل لبنان لاستكمال الطوق وتحرير شكا والجوار.
وإذا كان نعمة مقاوماً عندما كان الخطر يحدق بالوطن، إلا أن مقاومته الحقيقية كانت للمرض الذي حاول الفتك به، لكنه أوقفه وجابهه لسنوات. وفعل المقاومة الأساسي كان ببناء عائلة قوامها زوجة وتسعة أولاد، رفعت اسمه واسم تنورين ولبنان عالياً، ليس فقط في وطن الأرز، بل على أهم المسارح العالمية.
قاوم طوني نعمة وصمد لتنورين والوطن، ووضع المدماك الأهم لعائلة فنية، لا بل لتحفة فنية بمستوى راقٍ في زمن الانحطاط، لكن الأهم هو الاستمرار.
الحزن يغلب على عبير وليال وجورج وباقي أفراد العائلة، لكن المسؤولية تزداد. كلمات النعي قد لا تنصف رجلاً قام بكل هذه الأعمال وهو يصارع المرض، لكن الحياة استمرارية، وما زرعه طوني نعمة يزهر وطنية وفناً راقياً، وصوته الذي خفت سيبقى يصدح في حناجر أبنائه.