أصدرت "دار سائر المشرق" و "منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني" كتابًا يتضمن نصوصًا لـ "الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي"، و "الأمين العام التنفيذي للحركة الوطنية اللبنانية" (1975 – 1982)، الراحل محسن إبراهيم، تحت عنوان "مراجعات نقدية حول الاشتراكية وأزمة الرأسمالية". الكتاب عبارة عن مداخلات لإبراهيم أمام اللجنة المركزية للمنظمة مطالع التسعينات، وتنبع أهميته من أنه يتناول نقديًا الفكر الشيوعي كما حملته المنظمة وغيرها من التنظيمات، وكما عبّر عنه كل من كارل ماركس وإنجلز ولينين، فضلا عن ماو تسي تونغ، والتجارب الأخرى كالفيتنامية والجيفارية والعالم ثالثية. كذلك تنطلق أهمية هذا العمل من أنه يتناول جدليًا الفكرين الماركسي والرأسمالي معًا، اللذين طغيا على عالم القرن المنصرم حتى مطالع التسعينات منه، وأدّيا إلى انشطاره بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي.
يسجل محسن إبراهيم، في القسم الرابع، ص 81 - 82، من نص "في الاشتراكية"، في ضوء مراجعته النقدية، الخلاصات والاستنتاجات العامة التالية:
أولا: في الأصل، كانت الحركة الاشتراكية، وفي إطارها ظهرت الماركسية، مشروعًا كليًا مطلقًا للتغيير الاجتماعي البشري على قاعدة من التنبؤ بحتمية تاريخية. وقد اجتاز هذا المشروع الكلي المطلق اختبار قرن ونصف القرن: من الفكرة إلى الحركة إلى الثورة إلى الدولة، فلم يحكم له التاريخ بالنجاح، بل حكم عليه بالفشل. لذا لا محل اليوم لتقييد اشتراكيتنا بقيد الالتزام الكلي بالماركسية منهجًا ونتائج تحليل ونموذج تطبيق. وإذ نقرر إننا اشتراكيون، لا نرى مبررًا لاستمرارنا حاملين صفة الماركسيين. على أن الماركسية تبقى، في نظرنا، جزءًا من تراث الحركة الاشتراكية لا يمكن شطبه، بل ينبغي حفظ اعتباره، والانفتاح عليه، واستيحاء كل ما هو صحيح منه. وفي الماركسية نظرات علمية تشكل حقلا معرفيًا ضخمًا، ينبغي عدم التردد في الاستناد إليه ونحن نرتاد آفاق تجديد خيارنا الاشتراكي. فالفارق كبير ومهم بين القول الصحيح إن لا محل لتقييد اشتراكيتنا بقيد الالتزام الكلي بالماركسية، وبين القول الخاطئ إن اشتراكيتنا لا تتجدد إلا بمقدار ما تتنكر كليًا للتراث الماركسي.
ثانيًا: إذ نعيد النظر في التزامنا الماركسي وفي صفتنا الفكرية الماركسية، لا بد من أن نقرر أن الهوية الشيوعية التي نحملها لم تعد تصلح وجهًا للاشتراكية المتجددة التي نسعى إلى اشتقاق مفاهيمها وصوغ برنامجها وتأسيس التنظيم الملائم مع متطلباتها.
ثالثًا: لا محل لانخراطنا في دائرة الاشتراكية الديمقراطية الممثلة بالدولية الاشتراكية، بعدما انتقلت هذه الاشتراكية الديمقراطية، على امتداد القرن العشرين، من تيار ضمن الحركة الاشتراكية إلى صيغة تسوية ضمن الرأسمالية.
رابعًا: بعدما حددنا اشتراكيتنا سلبًا، فقلنا إنها لن تكون التزامًا كليًا بالماركسية ولا تنكرًا مطلقًا لها، وأنها لن تكون ذات هوية شيوعية أو وجه اشتراكي ديمقراطي غربي، يتوجب علينا أن نعيّن الحقل الذي سنستقي منه مادة تحديد وتجديد اشتراكيتنا إيجابًا. وفي هذا المجال، نرى أن العودة إلى الأهداف الأصلية للاشتراكية لا تشكل وحدها أساسًا صالحًا لصوغ مشروع اشتراكي جديد. فلا يمكن شطب وقائع قرن ونصف القرن من تاريخ الحركة الاشتراكية للعودة إلى أفكار الرواد الاشتراكيين الأوائل كما ظهرت منتصف القرن التاسع عشر، لأن ذلك يعادل الدعوة إلى لون من "الأصولية الاشتراكية" لا محل لها في القرن العشرين. لذا يتعين علينا أن نستقي مادة تحديد وتجديد نظرتنا إلى الاشتراكية من مصدرين أساسيين: أولهما تجديد فهم أزمة الرأسمالية في واقعها الراهن خلال العقد الأخير من القرن العشرين، والثاني رؤية حدود الديمقراطية المتحققة في عالم اليوم، واستكشاف أزمتها من جديد. ففي هذين المصدرين، أي في أزمة الرأسمالية كنظام اقتصادي، وأزمة الديمقراطية كنظام سياسي، يكمن الأصل المستمر لكل مشروع اشتراكي.
أزمة الرأسمالية
وفي النص حول "أزمة الرأسمالية"، يتناول محسن إبراهيم، في القسم الثالث منه، "الأزمة الراهنة للرأسمالية في أطرافها المتخلفة"، معطوفة على تراث من البحث حولها (ص 143 – 144). يقول إبراهيم:
أولا: نقد متجدد لوجهة النظرة الليبرالية حول التخلف (...)
ثانيًا: نقد نظرية التنمية على قاعدة الخصوصية التاريخية للتخلف
وهو نقد يستهدف العودة إلى كل الصياغات التي حللت أوضاع البلدان المتخلفة وفق ترسيمة ثنائية الاقتصاد المتخلف، بين قطاع تقليدي وقطاع حديث، والتي جادلت في التبعية كسبب بنيوي رئيسي للتخلف، والتي دعت إلى ضرورتها، وقالت بإمكان اشتقاق استراتيجيات للتنمية في ظل الاندراج ضمن منظومة النظام الرأسمالي العالمي والعودة إليها لمناقشة مقولاتها ورؤية مداخلها.
ثالثًا: نقد التيار الماركسي الجديد العالمثالثي وما رافقه من نظرات جديدة حول الإمبريالية (نظرة نمو التخلف)
إذا كان تراكم رأس المال يحمل نموًا متقدمًا في المراكز، فهو يحمل نموًا للتخلف في الأطراف، إلى الدعوة إلى استراتيجية قطيعة مع السوق الرأسمالية العالمية، وفك ارتباط بالنظام الرأسمالي العالمي. مع نقاش مقولة مواقع وتبيّن وجهة وأسباب انكفاء هذا التيار العالمثالثي، يعني كل موضوع التطور الرأسمالي، أو التطور الاقتصادي، أو تنمية البلدان المتخلفة خارج أحكام وإطار السوق الرأسمالية العالمية، والنظام الرأسمالي العالمي. وهذه موضوعة على بساط البحث للمرة الأولى على هذا النحو. لماذا؟ ليس فقط لأن التجارب التي خيضت تحت هذا العنوان هي تجارب انتهت إلى فشل في بلدان العالم الثالث، بل لأن النموذج الأهم للخروج خارج دائرة السوق الرأسمالية العالمية، وللاستقلال عن النظام الرأسمالي العالمي، وهو نموذج المعسكر السوفياتي السابق، قد فشل أيضًا. فكل هذا الموضوع يكتسب الآن راهنية متجددة في البحث وفق شروط لا سابق لها، لأنه كان لدينا ملجأ أخير وراء الدعوة. صحيح، كانت هناك دعوة لفك التبعية وفك الارتباط، ودعوة سمير أمين هي دعوة أساسية في هذا المجال، ولكنها كانت دائمًا تضمر أن هناك ملجأ آخر، وهو التبادل مع المعسكر الاشتراكي. بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، فك التبعية كيف يكون "التبادل"؟ والخروج خارج أحكام النظام الرأسمالي العالمي؟!
رابعًا - نقد المقاربات الثقافية لقضية التخلف
من نظرية الاقتلاع الثقافي كعنصر حاسم في تركيز التخلف، إلى حشد غزير من النظريات تقول إنه، في الأصل، كان الاستعمار بمفعوله الاقتلاعي لقيم وثقافات، ثم أتى الاجتياح العثماني، وليس العكس، وبالتالي فإن حالة التخلف هي حالة ناجمة عن التعرض إلى غزو ثقافي. طبعًا، هذا كله يؤسس لمجموعة مشاريع ردود ماضوية، كما يؤسس لأصوليات عديدة. كل نظريات الاقتلاع الثقافي كعنصر حاسم في تكريس التخلف، وكل المقاربة الثقافية للتخلف على أنه تخلف ثقافي، وأن استعادة الهوية هي أقصر الطرق إلى التنمية، هذه بحاجة إلى نقاش، خاصة أن هذا التيار الراهن له رديفه في المنطقة العربية. وهذا التيار له مبرراته. مقابله نظرية الاقتباس الثقافي والتكنولوجي من غير حدود، كعنصر حاسم في تحقيق التنمية، يعني أن هناك جرأة في الدعوة إلى التغريب، مقابل تلك المطالبة بحماية الهوية ضد كل ما هو حديث ووافد من المراكز الرأسمالية المتقدمة. كلا الأمرين يجب نقاشهما لننتهي إلى البحث في النقطة الآتية:
أين يقع العنصر الثقافي فعلا من واقع التخلف؟ ونحن نخشى، والخشية في محلها، أن نقول: تحت وطأة جنوح اقتصادي في تحليلاتنا السابقة، أسقطنا كل عنصر الواقع الثقافي وتبدلاته اللازمة من الحساب، في نقاشنا لكل استراتيجيات التنمية، ولكل مراحل التخلف. وفي هذا إسقاط، أصلا، لواقع تاريخي ينبئنا أن الرأسمالية في مراكزها المتقدمة لم تنبثق وتنمُ وتتأسس بصفتها نمط إنتاج رأسمالي، من رحم نمط إنتاج إقطاعي على صعيد محض اقتصادي، إنما كان تطورًا في علاقات الإنتاج أقطابه تطور ثقافي، سياسي، أيديولوجي، اجتماعي، عاشته هذه المراكز الرأسمالية المتقدمة طوال قرون. فليس هناك شيء اسمه نشوء الرأسمالية من فراغ ثقافي، أو أيديولوجي، أو اجتماعي إصلاحي. لذلك، العودة إلى نقاش أين يقع العنصر الثقافي فعلا من موضوعة التخلف، نقاش بالغ الأهمية، لأنه عليه سيترتب ما سندرجه في برنامجنا من حيّز لهذا العنصر.
