يدفع لبنان اليوم ثمن حروب لم يخترها، وأزمات لم يصنعها، وانهيار اقتصادي لم يعد يحتمل مزيدًا من الضربات. يدفع المواطن من جيبه، ومن قدرته الشرائية، ومن عمله، فيما تتراكم فوق رأسه تداعيات الحرب في الجنوب، وتداعيات الحروب في المنطقة والعالم.
ضربت حرب "الإسناد" اقتصادًا كان أصلا على الأرض. عطّلت مناطق، هجّرت عائلات، أوقفت أعمالا، وضربت السياحة والاستثمار والإنتاج. ثم جاءت الحرب في أوكرانيا، وبعدها المواجهات الإقليمية، لتضيف إلى المشهد ارتفاعًا في أسعار الطاقة والشحن والمواد الأولية. وتكفي نظرة إلى أسواق النفط لمعرفة حجم المشكلة. فقد وصلت اضطرابات الطاقة العالمية إلى مستويات دفعت سعر برميل برنت إلى الاقتراب من 120 دولارًا خلال ذروة الصدمة الأخيرة، فيما حذّر البنك الدولي من استمرار الضغط على التضخم والنمو.
يتلقى لبنان هذه الضربات مضاعفة. يستورد الطاقة، ويعتمد على الخارج في الغذاء والمواد الأولية، ويحاول في الوقت نفسه الخروج من أسوأ أزمة مالية في تاريخه. لذلك لا يحتاج البلد إلى كثير من النار كي يشتعل الشارع. يكفي أن ترتفع الأسعار، وأن تتراجع القدرة الشرائية، وأن يشعر المواطن بأن الدولة لا تملك جوابًا.
يحاول "حزب الله"، بحسب معلومات "نداء الوطن"، ركوب موجة الغلاء والمطالب الاجتماعية المحقة، ونقلها من موقعها الطبيعي كأزمة معيشية إلى مواجهة سياسية مع الحكومة ورئيس الجمهورية. ويحمل هذا المسار الكثير من المخاطر، خصوصًا أن تجربة 7 أيار لا تزال حاضرة. يومها بدأت التحركات في إطار احتجاجات ومطالب للاتحاد العمالي العام، قبل أن تتطور الأمور إلى مواجهة سياسية وأمنية واسعة.
يعيد "الحزب" اليوم، وفق هذه المعطيات، محاولة الاستثمار في الاحتقان الاجتماعي لخلق قلاقل واضطرابات داخلية، بعد الخسارة العسكرية والسياسية التي لحقت به. لكن تحويل وجع الناس إلى ورقة سياسية لا يعالج الغلاء، ولا يعيد النازحين إلى منازلهم، ولا يؤمّن الكهرباء، ولا يرفع الأجور.
يحاول رئيس الجمهورية جوزاف عون قطع الطريق على هذا المسار من أساسه. يعطي الملف الاقتصادي والاجتماعي وقتًا لا يقل أهمية عن الملفات السياسية والأمنية، ويفتح النقاش مع المعنيين قبل أن يتحول الاحتقان إلى أزمة في الشارع. ويضغط في اتجاه وضع الحكومة أمام مسؤولياتها، فيما تشير المعطيات إلى اتفاقه مع رئيس الحكومة نواف سلام على تخصيص جلسة للبحث في الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.
تحتاج هذه الجلسة إلى قرارات، لا إلى بيانات. ويحتاج الوضع إلى وزراء يعرفون أن المرحلة ليست عادية، وأن إدارة الأزمات في بلد مأزوم لا تحتمل البطء ولا الحسابات الصغيرة. فالمشكلة لا تكمن في غياب الاجتماعات، بل في قدرة الحكومة على تحويلها إلى إجراءات يشعر بها المواطن.
يراقب الرئيس نبيه بري المشهد بدقة. ويحاول تهدئة البيئة الشيعية التي تحملت كلفة النزوح والدمار والضغط الاجتماعي، لكنه لا يبدو راغبًا في تحويل المطالب المعيشية إلى اشتباك سياسي أو استخدامها لخلق اضطرابات داخلية أو الدفع في اتجاه إسقاط الحكومة.
تضغط الملفات كلها في وقت واحد. تضغط الأسعار، والنزوح، وإعادة الإعمار، والطاقة، والأجور، وفرص العمل. ويحتاج لبنان إلى معالجة سريعة قبل أن يتحوّل الضغط الاجتماعي إلى انفجار سياسي.
يسحب عون اليوم فتيل التفجير الاجتماعي بالسياسي، لكن الوقت ليس مفتوحًا. فإذا لم تجد الحكومة حلولا ملموسة، سيجد الغضب طريقه إلى الشارع. وعندها لن يكون السؤال من يستثمر في الأزمة، بل من يملك القدرة على وقفها.