أُقيم في شهر أيلول الفائت مؤتمر على طريق المطار في بيروت تحت عنوان "حقوق الشيعة ودورهم في بناء الدولة اللبنانية"، حضره عدد كبير من الشخصيات ذات التأثير السياسي والإعلامي والاجتماعي. أهمية هذا المؤتمر – على رداءة المداخلات التي تسنّى لي مشاهدتها – أنه يطرح على الملأ السؤال الاستراتيجي الجدي في الأزمة اللبنانية الحالية، بعيدًا عن تقليد "البيت بأكاذيبه الكثيرة" (بتصرّف عن عنوان كتاب الراحل الكبير كمال صليبي)، والذي يدور "حول الموضوع"، ويبتكر له أسماء حركية ("المقاومة" مثالًا). وأبرز مثال على هذا التقليد سعي نبيه برّي، في أيامنا هذه، إلى افتعال "نقاش" برلماني في قانون الانتخاب، لا علاقة له بالمواطنة ولا بالحداثة ولا بالحقوق، بل هو، ببساطة، محاولة ابتزاز طائفية (للمسيحيين تحديدًا) بسلاح الديموغرافيا تحت شعارات "مواطنية". وبين طبيعة النقاش الأول والثاني، لا شك في أن الأول أكثر صحّة، نظرًا إلى وضوح الطرح (لم يتحدّث عن أسطورة نضالية من نوع "الدفاع عن لبنان"، بل عن "حقوق" طائفة)، ما يفتح الباب، على الأقل، أمام تفاوض حقيقي بين اللبنانيين، ولو أن ظروف إنضاجه لم تتحقق بعد.
في كلّ المجتمعات الإثنية المسلحة في التاريخ الحديث، كانت هناك مطالب شبه محددة. غالبًا ما كانت مستحيلة التطبيق، لكنها، على الأقل، كانت مدخلًا للنقاش. الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة هو ما يُسمّى الثنائي الشيعي في لبنان وما يُعرف ببيئته الحاضنة. بعيدًا عن الشعارات الفضفاضة والفارغة، من نوع "إقصاء" و"استضعاف"، وصولًا إلى "بوصلة فلسطين"، لا يوجد نص واحد يمكن أخذه على محمل الجد والتصرّف على أنه ورقة "تأسيسية"، تبحث في التسوية الكبرى التي ستُخرج الشيعة اللبنانيين من "نكبتهم"، وتُخرج معهم سائر اللبنانيين من المستنقع الذي وقعنا فيه موحّدين فعلا.
في إيرلندا الشمالية، حمل الكاثوليك السلاح، وكانت لهم مطالب محددة، ولو أنها تطوّرت مع الزمن. كان لتلك الطائفة (وهناك يسمّونها nationalisms، أي أوطانًا) حزبان اثنان يعبّران عن تطلعاتها: أحدهما يُعتبر متطرّفًا (Sin Féin)، والثاني أكثر اعتدالًا (SDLP). ومع أن "الانتفاضة" الكاثوليكية في عام 1972 بدأت بطابع مطلبي اجتماعي، سرعان ما تطوّرت إلى مشروع سياسي متكامل، عنوانه، بحدّه الأقصى، توحيد الجزيرة، وبحدّه الأدنى، المشاركة المضمونة في السلطة التنفيذية. وفي النهاية، حصل الكاثوليك على جزء من مطالبهم كافة مقابل تخلّيهم عن السلاح: حق تقرير المصير بالاقتراع في شمال الجزيرة، وحدود مفتوحة بين شمال إيرلندا وجنوبها، وحق مضمون في السلطة التنفيذية نسبةً إلى حجمهم الانتخابي. وعُرف ذلك بالحبال الثلاثة للتسوية: شق داخلي، وشق متعلّق بالجزيرة ككل، وشق مرتبط بالعلاقات البريطانية-الإيرلندية.
أما في جمهورية البوسنة والهرسك، حيث قاتل "حزب الله" في التسعينات، فالمسألة أبسط بكثير: أراد الصرب الانفصال والانضمام إلى صربيا، فحملوا السلاح وخاضوا حربًا أعطتهم، في نهايتها، نصف انفصال ونصف انضمام: كانتونًا فدراليًا مستقلًا و"علاقات مميزة" مع صربيا. كانت المطالب واضحة وعملية ومحددة، ولو لم يستطع لا الكاثوليك ولا الصرب تحقيقها بالكامل.
ماذا يريد الشيعة في لبنان؟ لا أحد يعرف. حتى هم. ولذلك أسباب موضوعية.
"حزب الله" – علميًا – فصيل في الحرس الثوري الإيراني. ليست له "مطالب" بالمعنى الإثني للكلمة. هو جزء لا يتجزأ من منظومة أيديولوجية عسكرية في المنطقة، أما هامش المطالب الداخلية التي تشكّل جزءًا من خطابه، فهي من ضرورات الحفاظ على الهيكلية السياسية والاجتماعية لحماية السلاح. الأسوأ هنا هو أن "حزب الله" لا يمتلك مطالب "خارجية" حتى، إلا إذا اعتبرنا "مزحة" إزالة إسرائيل من الوجود "مطلبًا". ليس حركة انفصالية على شاكلة صرب البوسنة (للأسف)، وليس حركة توحيدية على شاكلة كاثوليك إيرلندا الشمالية أيضًا. ليست لديه رؤية لإنهاء الصراع بشكل جذري، بل تكتيكات مرحلية لهدنة موقتة بانتظار المعركة المقبلة. بعيدًا عن ترّهات الانسحاب الإسرائيلي و"استراتيجية الأمن القومي"، السلاح عنده ليس وسيلة، بل هدف قائم بحد ذاته، لذا ما يريده – ببساطة – هو الحفاظ عليه.
حركة "أمل"، بقيادة نبيه برّي، قصّة مختلفة تمامًا، لكن من دون أي فرق جوهري (distinction without a difference). بالمعنى العريض للبحث، يطمح نبيه برّي، نظريًا، إلى مبادلة السلاح بالدولة والدور والصلاحيات. قد يوحي ذلك بأنه مدخل حقيقي للتفاوض، لكنه فارغ من أي مضمون. برّي لا يملك الحد الأدنى من الرؤية الجدية للصفقة الكبرى (ما عدا زيادة النفوذ بالأرانب)، كما أنه لا يمتلك، أصلًا، الحد الأدنى من القدرة على فرض تلك الصفقة الكبرى داخل طائفته. هو مجرّد مضيعة لوقتنا جميعًا: لا رؤية موسى الصدر، ولا فلسفة محمد مهدي شمس الدين، ولا حتى المشروع السياسي لما سُمّي بـ"الإقطاع الشيعي". سياسي محنّك يبرع في إدارة اليوميات، لكنه لن يكون له أي موقع يُذكر في كتب التاريخ (إلا لجهة أن ما بناه هُدّم بمساهمته).
بين هذا وذاك، عدد كبير من اللبنانيين الشيعة غير معني بأي "صفقة"، بل يريد فقط دولة لبنانية طبيعية. يحفرون الجبل بالإبرة، ولا حول لهم ولا قوة، بانتظار رؤية سياسية من الخصم أو قبضة حديدية من الحليف. أما "قوى الأمر الواقع"، فذاهبة، من دون أي رؤية، بالطائفة إلى الهلاك، والأنكى أنها، في ذلك، تأخذنا جميعًا معها.