دخلت الحرب في اليمن مرحلة اختبار حاسمة مع الهجوم المضاد للقوات الحكومية، مسنودًا بالقوّة الجوّية السعودية، لاستعادة الساحل الغربي والمناطق التي انتزعها الحوثيون خلال اندفاعتهم الأخيرة. ويتزامن التحوّل الميداني مع اجتماع طارئ لحلف مكة الدفاعي، الذي وافق على تفعيل الدفاع المشترك، وإعلان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن المفاوضات مع واشنطن "بلا معنى". وبين استنفار الحلفاء وانسداد الأفق الدبلوماسي، تتقدّم معركة الممرّات البحرية والطاقة إلى صدارة المواجهة، فيما تسعى الحكومة اليمنية إلى تحويل استعادة المبادرة إلى مسار ينتهي بتحرير صنعاء من "أنصار الله" المدعومين من طهران.
بحسب رواية الحكومة اليمنية المدعومة دوليًّا، استعادت القوات مواقع استراتيجية عند مضيق باب المندب، بينها مهبط ذوباب، وأعلنت وزارة الدفاع استعادة المخا، مع انسحاب مقاتلين حوثيين نحو المرتفعات. وتوحي سرعة التقدّم بإمكان تفكيك جزء مهمّ من المكاسب الحوثية الأخيرة. ويُقاس النجاح الميداني المستدام بقدرة القوّات اليمنية على تثبيت وجودها وإعادة فتح الطرق وحماية السكان، إلى جانب استعادة المواقع.
تكتسب استعادة الشريط الممتد من ذوباب إلى المخا أهميتها من انتزاع موطئ قدم قريب من المضيق، وتقليص قدرة الحوثيين على مراقبة الحركة البحرية وتهديدها من مواقع ساحلية متقدّمة. ويفرض التراجع نحو المرتفعات أعباء إضافية على إمدادهم وانتشارهم، وسط بيئة معادية لهم. لكن قدرة الجماعة على إطلاق المسيّرات والصواريخ من الداخل أو من قطاعات ساحلية أخرى تُبقي أمن الملاحة معركة ممتدّة. كما أن تأمين باب المندب يحمي حركة العبور جنوبًا، فيما تتمتّع الصادرات السعودية المتّجهة من ينبع شمالًا نحو السويس بمسار مختلف.
وتكشف معركة تعز حدود الاكتفاء بالمكاسب الساحلية. فالتقارير عن تشديد حصار المدينة وتهديد طريقها إلى عدن تعني أن الحوثيين يستطيعون الضغط على العمق السكاني وخطوط الاتصال بالتوازي مع خسائرهم غربًا. ومن هنا، تتوقّف قيمة التقدّم على تماسك الجبهات، وفكّ الاختناق عن تعز، وضمان وصول الإمدادات والمساعدات.
أما بلوغ صنعاء، فيحتاج إلى تحويل التفوّق الجوّي إلى مكاسب سياسية وعسكرية متراكمة. فالغارات السعودية الكثيفة تمنح القوّات الحكومية قدرة على الحركة وتضغط على التعزيزات الحوثية، لكن الانتقال من الساحل إلى المرتفعات يرفع صعوبة القتال والإمداد. وتصبح وحدة القوى المناهضة للحوثيين، التي يؤكدها مساعد وزير الدفاع سمير الصبري، شرطًا مركزيًّا للاستمرار. كما يتطلّب تثبيت المكاسب إدارةً موثوقة للمدن، وخدمات وأمنًا وتسويات محلّية، بما يضيّق قاعدة الحوثيين ويمنع عودة الانقسامات التي أضعفت خصومهم سابقًا. وستكون قدرة الدولة على حماية الناس واستعادة المؤسسات المعيار الأثقل لهزيمة النفوذ الإيراني وتحويل "فجر اليمن" من اندفاعة عسكرية إلى تحوّل مستدام.
ويمنح اجتماع حلف مكة الدفاعي هذا المسار عمقًا إقليميًّا إضافيًّا. فالاتفاق السعودي - الباكستاني - التركي على توفير القوّات والقدرات ونشرها سريعًا داخل المملكة يؤسّس لترجمة التضامن إلى ترتيبات دفاعية ملموسة. وقد يُتيح تعزيز حماية الأراضي السعودية تخفيف الضغط على مواردها وتوسيع هامش دعمها للحكومة اليمنية. وتبقى لطبيعة القدرات المنتشرة وقواعد استخدامها دلالاتها، بيد أن الانتشار داخل السعودية يحمل وظيفة دفاعية واضحة حتى الآن.
وفي سوق الطاقة، يحمل تجاوز صادرات المنطقة، باستثناء إيران، مستويات ما قبل الحرب خلال الأسبوع الماضي دلالة استراتيجية: بدأت الحماية الأميركية للعبور والمسارات البديلة تُضعف فاعلية الضغط على مضيق هرمز. وبحسب بيانات "كبلر" الواردة، أسهمت صادرات البحر الأحمر وخط الفجيرة في هذا التعافي. إلّا أن المؤشّر الأسبوعي يصف قدرة على التكيّف تحت النار، ويظلّ معرّضًا للانتكاس كلّما استُهدفت البنية التي جعلته ممكنًا.
وهذا ما يبرزه توقّف خط "شرق - غرب" مجدّدًا عقب استهداف محطة ضخّ في خريص، وفق ما أفاد مصدر بقطاع الطاقة السعودي وكالة "فرانس برس". فالخط ينقل النفط إلى ينبع متجاوزًا هرمز، وضربه يصيب أحد أهمّ بدائل التصدير السعودية. ومع تهديد الملاحة جنوب البحر الأحمر، تتوزّع الضغوط على حلقات متّصلة من سلسلة الإمداد. ويكشف ذلك أن استقرار الصادرات يحتاج إلى حماية متكاملة للمنشآت البرية والموانئ والسفن، وأن تحسّن التدفّقات خلال أسبوع يبقى أضيق من إعلان استعادة أمن الطاقة.
توازيًا، تؤكد مغادرة كلّ القاذفات الأميركية قاعدة فيرفورد البريطانية أن حسابات المواجهة تمتدّ إلى أمن القواعد البعيدة من مسرح العمليات في الشرق الأوسط. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب، بإقراره بوجود "تهديدات" من دون كشف طبيعتها، يضع حماية أدوات الضرب في صلب الاستعداد لاستخدامها. وبين نقل القاذفات إلى مكان "ليس بعيدًا" والتوعّد بهزيمة العدو، تبدو الخطوة محاولة لحرمان الخصم من فرصة استهدافها، مع إبقائها ضمن حسابات الهجوم. إنّها إعادة تموضع توحي بأن واشنطن تسعى إلى صون قدرتها على الضرب.
وعلى الجبهة الداخلية الإيرانية، يواصل نظام الملالي إعدام المحتجّين وطمس الشواهد على قمعه. فقد أعلن إعدام رجلين على خلفية الاحتجاجات، فيما تباهى مسؤول بقدرة بلاده على تعطيل "ستارلينك" خلال تحرّكات كانون الثاني، وكأن عزل الإيرانيين عن العالم إنجاز يستحقّ التفاخر. وبين حبال المشانق وقطع الاتصال، تتكشّف معادلة حكم لا يكتفي بإسكات المعترضين، بل يسعى إلى حجب مصيرهم عن الأنظار. فنظام يستعرض قوّته على شعبه، ثمّ يحجب وسائل توثيق انتهاكاته الجسيمة، يظهر خوفه من الحقيقة بقدر ما يكشف عجزه عن احتمال الاعتراض.