هناك وجوه تتعذّر رؤيتها مهما نظرنا إليها. يتعذّر سَبْرُ أعماقها واختراق السرّ الذي تنطوي عليه. هذه هي حال الوجه الذي أمامنا، وجه الكاتبة الإنكليزيّة فيرجينيا وولف. أمّا ظاهره فهو أشبه بمنحوتة، بل يمكن القول إنّها منحوتة قوطيّة ترتقي بهندستها وشكلها المتطاول نحو الأعلى.
"تحدّرت وولف من أسرة تنتمي إلى البورجوازيّة اللنديّة، ونشأت في وسط مثقّف وثريّ، ومع ذلك، ظلّت تنتقد بلا كلل عادات طبقتها وتقاليدها"، هكذا قدّمتها مجلّة "أوروب" الفرنسية في عددها الأخير المخصّص لها. وكانت المجلّة عرّفت بتجربتها، للمرّة الأولى، في عددها الثاني، العام 1923، ووصفتها حينذاك بأنها "في طليعة جيلها الأدبي". وهل تحتاج فيرجينيا وولف إلى مناسبة للكتابة عنها والالتفات إلى نتاجها المتفرّد، وهي واحدة من أبرز أعلام الحداثة في القرن العشرين؟
الكتابة، هنا، مغامرة ورحلة فوق هاوية. والكاتبة تنظر من وراء الكلمات إلى ما هو موجود ومهدّد في وجوده، في البرهة القصيرة بين الحياة والموت. تتحدّث عمّا هو موجود "خارج إرادتنا"، ما عبّر عنه محمود درويش بكلام آخر عندما أحسّ بأنه يقترب من النهاية: "أنا لستُ لي". الكتابة بهذا المعنى أشبه بالمعاناة لأنها تقتفي آثار اللحظات التي تتألّف منها حياة الفرد وتجربته. وهذا ما يدفع فيرجينيا وولف إلى اختصار علاقتها بالكتابة على النحو الآتي: "عندما نبدأ كتابة رواية، ليس المهمّ أنّنا قادرون على كتابتها، بل انّ ما سنكتبه هو هنا، في المقلب الآخر للهاوية التي يتعذّر على الكلمات اجتيازها، وأنّ ثمن بلوغها حالة من القلق لا حصر لها". وهذا ما تجسّده قصصها القصيرة وأبحاثها ورواياتها من "السيّدة دالاوي" وأورلندو" إلى "الأمواج" و"السنوات". وفيها تكسر الكاتبة نسق السرد القديم لصالح سرد متجدّد، كما تتجرّأ على تفكيك الأفكار السائدة في بيئتها، مطلع القرن العشرين، وانتقادها بموضوعيّة. وهي لطالما عبّرت عن معارضتها للمجتمع البطريركي الذكوري الذي لا ينحصر فقط في مكان وزمان محدّدين، بل هو يتواصل حتى الآن في أنحاء كثيرة من العالم.
خلال الاحتفال التكريمي الذي أقيم في "جامعة كامبريدج" تكريماً لذكراها بعد أشهر على وفاتها، تحدّث عنها صديقها المقرب أ. م. فورستر قائلاً: "كانت مقتنعة بأنّ المجتمع هو من صُنع الرجال، وأنّ الاهتمام الأساسي لهؤلاء ينحصر في إسالة الدماء وربح الأموال وإعطاء الأوامر وارتداء اللباس الموحّد، وجميع هذه المشاغل ليست ذات شأن".
لم تنتقد وولف الطبقة البورجوازية وأنماط عيشها فحسب، بل التفتت إلى وضع المرأة، ودافعت عن حقوقها، ولذلك ارتبط اسمها في تاريخ الحركة النسويّة كرائدة في هذا المجال. وتحدّثت عن المهمّشين والمرضى والمنسيين، وكذلك عن الناجين من الحروب، هي التي عاشت أهوال الحربين العالميّتين، ورصدت آثارهما في النفس والجسد. كما تحدّثت عن العنف في مظاهره المختلفة، ورأت أنّ الفكر هو الرهان الأساسي في مواجهته والخروج من سطوته. واعتبرت أنّ "المجتمع لا يستطيع أن يتحرّر من الطغيان إذا لم يتحرّر من العبوديّة".
لم تكتب فيرجينيا وولف لتهادن المألوف والسائد، ولم تتوجّه إلى قرّاء يبحثون في الكتب عمّا يعرفونه وعمّا يرضي تفكيرهم وتوجّهاتهم، بل سعت، من خلال قراءتها للواقع، إلى الكشف عن احتمالات أخرى جديدة ومختلفة، وانطلقت من تساؤلات تتجاوز سجنَ اليقين وتساعد على التقدُّم أكثر من الإجابات الجاهزة كلّها.
الكتابة، بالنسبة إليها، إصغاء عميق للكائنات والأشياء، وهي سِجِلّ الأيام المتعاقبة كما تطالعنا في يوميّاتها ورصدها أدقّ التفاصيل. كأنّ الحياة كلّها مجموع هذه التفاصيل، ومهمّتها ككاتبة إزاحة الحُجُب عنها، وهي في الغالب حُجُب الخرافة والأوهام. تُظهرها في عرائها الكامل بعد أن تُسقط عنها المحرَّمات وتكشف الجروح الخائفة الخبيئة، وتتفحّص مظاهر العنف السياسيّ والاجتماعي. هكذا، تنطلق وولف من الخاصّ إلى العامّ، وتغوص في آلام الذات والمجتمع، كأنّها طبقات جيولوجيّة تتكدّس في الأرض الواحدة فوق الأخرى.
إنّ التزام فيرجينيا وولف، في هذا المعنى، ليس التزاماً إيديولوجياً مغلقاً ومنطوياً على ذاته. إنّه التزام يضع الأدب في إطاره الإنسانيّ والجمالي، فيصبح وصفها لحادثة اغتصاب مثلاً، نقداً لأسس حضارة قديمة ولمؤسّساتها ومقوّماتها. ولا يغيب - وراء المأساة التي تتناولها، ووراء البنية الفنّيّة المميّزة لنتاجها- وعيها الخاصّ لدور الكاتب ولوظيفته في الحفاظ على خيط الأمل الرفيع وحمايته، والإشارة إلى إمكانات واحتمالات أخرى للعيش على هذه الأرض.