ألان سركيس

"الحزب" في ذكرى الإسناد: أوهن من بيت العنكبوت

3 دقائق للقراءة
كل بنى "الحزب" انهارت حتى البيئة (رويترز)

سقطت ورقة "الإسناد" قبل آخر قذيفة. وانتهت الحكاية التي بدأت في 7 تشرين الأول 2023 من بوابة غزة، بعدما تحوّل لبنان من "ساحة إسناد" في اليوم الثاني إلى ساحة دفع الثمن. ثلاث سنوات مرّت، تبدّلت خلالها المعادلات، وانكشفت الحسابات، وخرج "حزب الله" من الحرب مثقلا بما لم يكن يتوقعه أي خسائر عسكرية، وانكفاء سياسي، وبيئة منهكة، وصورة لم تعد تشبه تلك التي بناها طوال سنوات.

بدأت "حماس" في 7 تشرين الأول عمليتها المباغتة داخل إسرائيل، فقتلت نحو 1200 شخص وأسرت 251 شخصًا. ردّت إسرائيل بحرب غزة. وفي اليوم التالي فتح "حزب الله" جبهة الجنوب، معلنًا أن صواريخه ستبقى مرتبطة بميدان غزة. لم يكن القرار لبنانيًا، ولم يصدر عن الدولة، ولم يُبنَ على حسابات قدرة لبنان على الاحتمال.

تحوّلت الجبهة سريعًا إلى حرب استنزاف. نزح الجنوبيون، تعطلت المواسم الزراعية، تضررت القرى، وخسر الاقتصاد اللبناني ما تبقى من قدرته على الصمود. ثم انفجرت أجهزة البيجر. سقطت شبكات الاتصال. اغتيل قادة الصف الأول. ثم سقط السيد حسن نصرالله. عندها انكسر شيء أساسي في صورة "الحزب"، صورة التنظيم الذي يعرف كل شيء ويرى كل شيء ولا يستطيع أحد الوصول إليه.

جاءت الحرب الثانية لتكشف ما هو أخطر. دخل "حزب الله" في مواجهة إسناد لإيران، فيما كان لبنان لا يزال يلتقط أنفاسه. دفع اللبنانيون مرة جديدة ثمن قرار لم يصنعوه. ارتفع عدد النازحين، اتسعت رقعة الدمار والاحتلال، وضُربت البنى التحتية، فيما تراجع "الحزب" نفسه إلى موقع الدفاع. لم تعد المسألة حربًا يحدد هو إيقاعها، بل معركة يحاول خلالها منع خسائره من التوسع.

وصل الانكفاء إلى الأرض. خرج "الحزب" من جنوب الليطاني بالقوة. تقدمت إسرائيل إلى مواقع ومرتفعات ذات قيمة استراتيجية، ووصلت إلى علي الطاهر، فيما يلوح جبل الريحان وإقليم التفاح في الحسابات العسكرية المقبلة. والأخطر أن الرد لم يعد يشبه التهديد. تضرب إسرائيل، تتحرك، تتقدم، وتفرض إيقاعها، فيما يبحث "الحزب" عن حدود الممكن.

انكشف التراجع أيضًا في السياسة. دخل "حزب الله" مجلس الوزراء، لكنه لم يدخل معه نفوذ المرحلة السابقة. غاب نصرالله الذي كان يمسك بمفاتيح اللعبة الداخلية، وسقط نظام الأسد الذي شكّل للحزب عمقًا استراتيجيًا، وتلقت إيران ضربات جعلتها منشغلة بحساباتها الداخلية والإقليمية. وتراجع "محور الممانعة" من مشروع يقال إنه يغيّر المنطقة إلى محور يحاول لملمة ما تبقى منه.

وصل الترهّل إلى البيئة. ضاقت الموارد. ازدادت الحاجات. تراكمت الخسائر. ولم تعد المساعدات والشعارات قادرة على إخفاء واقع اجتماعي واقتصادي ثقيل. انكشفت، في المقابل، الفجوة بين الوعد والنتيجة. تحدّث "الحزب" عن احتلال الجليل، وعن الوصول إلى القدس، وعن تحرير فلسطين. لم يحدث شيء من ذلك. انتهت ثلاث سنوات من "الإسناد" إلى تراجع على الأرض، وتآكل في النفوذ، وانكشاف في البنية الأمنية والعسكرية، وبلد دفع فاتورة حربين لا قرار له فيهما.

كان يفترض أن تبدأ المراجعة من هنا. كان يفترض أن يسأل "الحزب": أين أخطأنا؟ ماذا خسرنا؟ ولماذا دفع لبنان الثمن؟ لكنه لم يسأل.

اختار الاستمرار في الرواية نفسها، وتحويل الخسارة إلى انتصار، والهزيمة إلى "صمود"، والانكفاء إلى "إعادة تموضع".

وهنا تكمن المفارقة الأكبر. بعدما كان نصرالله يقول إن إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت، صار السؤال اليوم مختلفًا: ماذا بقي من "الحزب" بعدما اهتزّت كل الخيوط التي نسج حولها أسطورته؟ لعل ذكرى الإسناد الثالثة لا تحتاج إلى خطاب جديد. تحتاج فقط إلى قليل من الحقيقة.