رفيق خوري

مشكلة لبنان والعراق في الاحتلال والانسحاب

3 دقائق للقراءة

بين لبنان والعراق شيء من القدر. قدر جوار جغرافي قاسٍ: قدر سياسي لا يرحم. وقدر تنوع اجتماعي تُساء إدارته، من حيث هو ثروة وطنية. احتلال يجرّ إلى احتلال آخر وأكثر. انسحاب يقود إلى سيادة ناقصة. وفصائل أيديولوجية مذهبية مسلحة تعمل من خارج الشرعية الدستورية وعلى حسابها تحت عنوان "تفويض شرعي" يأتي من خارج الحدود. ومن السهل على قوى داخلية وخارجية التلاعب بالبلدين. لكن من الصعب على أي منهما تكريس دوره كلاعب في زحام الأدوار داخل ملعب مفتوح. وما أكثر الأخطار وأقل الفرص. وليس أخطر من غياب الفرص في مراحل شديدة القسوة على الناس والبلد سوى تضييع فرصة نادرة تأتي في مرحلة استثنائية.

والوقائع تدور وتدار في توقيت واحد تقريبًا، وإن بدا کل بلد كأنه يعيش في أكثر من زمن. إسرائيل احتلت لبنان مرارًا وانسحبت منه مرتين: عام 2000 وعام 2006. في كل احتلال كان لبنان يدفع الثمن، والخاسر منظمة التحرير الفلسطينية، والقادر، إلى جانب إسرائيل، على توظيف الربح هو سوريا وإیران. وبعد كل انسحاب كان "حزب الله" يزداد تسلحًا وقوة بحجة الحاجة إلى "مقاومة احتياطية" للخطر الصهيوني الدائم بدل إنهاء المهمة والتخلي عن السلاح کما هي حال كل مقاومة لاحتلال في العالم، وكان يمارس الهيمنة على السلطة والناس تحت ظل النفوذ الإيراني المتوسع بالطبع.

أما الاحتلال الأخير، فإنه جاء خلال حربي الإسناد لغزة وإيران اللتين شنهما "الحزب". وأما الانسحاب الثالث المفترض، فإنه في رهان الدولة عليه ضمن التنفيذ المفترض أيضًا لاتفاق "الإطار الثلاثي" بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركا، فيما يرفض "الثنائي الشيعي" المفاوضات المباشرة، ويراهن على المفاوضات بين أميرکا وإیران على الرغم من كون "مذكرة التفاهم" في موت سريري وإشارات معاودة الحرب تزداد قوة.

وأمیرکا احتلت العراق مرة واحدة وانسحبت منه مرتین: عام 2011 خلال رئاسة باراك أوباما ويوم 30 أیلول في العام 2026 الحالي أيام الرئيس دونالد ترامب بعدما استدعتها بغداد للمساعدة في محاربة "داعش" عام 2014. كان الغزو غلطة استراتيجية ارتكبها الرئيس جورج بوش الإبن ونائبه ديك تشيني والمحافظون الجدد، أدت إلى هدم السد أمام النفوذ الإيراني وقدمت لطهران هدية من السماء. والمبرر مزيف من جهة حول أسلحة الدمار الشامل، ووهمي من جهة أخرى. كيف؟

ريتشارد بيرل تصور أن "سقوط صدام حسين يحفز الإيرانيين للتخلص من ديكتاتورية الملالي". وروبرت كاغان قال إنه "يحرر الشيعة العراقيين من التبعية لإيران وسطوة صدام". وما حدث هو العكس. وخلال التحقيق مع صدام الذي تولاه المحقق الفيدرالي الأميركي من أصل لبناني جورج بيرو قال الرئيس العراقي إنه "ليس لدينا أسلحة دمار شامل، لكننا أوحينا أننا نملكها لئلا يقع العراق في موقع ضعیف، فإيران أكبر خطر علينا، وأسامة بن لادن طلب عشرة ملايين دولار فلم نعطه شيئًا، وأميركا لم تكن عدوًا للعراق في مناخ معارضة سياسات". ثم سأل صدام المحقق: "أنت لبناني"؟، قال: نعم، فقال له: "أنا أحب اللبنانيين". وفي الانسحاب الأميركي الأول تعاظم دور إیران، وارتاحت سوريا، وظهر أبو مصعب الزرقاوي وأبو بكر البغدادي وداعش والحشد الشعبي. وفي الانسحاب الثاني الذي اعتبره رئيس الوزراء علي الزيدي تكريسًا لـ"سيادة العراق" وطلب سحب سلاح الفصائل، أصرت الفصائل المرتبطة بإيران على رفض التخلي عن السلاح "تمامًا كما هو موقف حزب الله" في لبنان، ولو انسحب الاحتلال، لأن السلاح جزء من المشروع الإقليمي الإیراني بعد نهاية إسرائيل وأميركا.

وأبسط توصيف لحال لبنان والعراق اليوم هو تعبير الرئيس جون كينيدي عن "القواعد غير المستقرة للستاتيكو".