صبحي قبلاوي

من بعبدا إلى نيودلهي... كيف دخل لبنان على خط IMEC؟

4 دقائق للقراءة

منذ اللحظة الأولى، أدرك رئيس الجمهورية جوزاف عون أهمية الموقع الاستراتيجي لمرفأي بيروت وطرابلس على الحوض الشرقي للبحر المتوسط. وبرؤية تتجاوز حدود لبنان، كان واضحًا أن المحيط، من دمشق مرورًا بعمّان وصولا إلى بغداد، يحتاج أيضًا إلى المرافئ اللبنانية كبوابة محتملة نحو المتوسط وأوروبا.

لكن لبنان لم يكن أساسًا جزءًا من مشروع "الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا" (IMEC)، الذي أُعلن عنه في أيلول 2023 على هامش قمة مجموعة العشرين (G20) في نيودلهي، بمشاركة الهند والولايات المتحدة والسعودية والإمارات وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي.

المشروع أكبر من مجرد خط لنقل البضائع. فهو يقوم على شبكة من الموانئ والسكك الحديدية، إلى جانب الربط في مجالي الطاقة والاتصالات الرقمية، بهدف اختصار المسافات وتعزيز حركة التجارة بين الهند والخليج والشرق الأوسط وأوروبا.

من هنا بدأت محاولة إدخال لبنان على الخريطة.

تواصل الرئيس عون مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للدفع باتجاه إشراك لبنان في المشروع. وفي 25 شباط 2026، وصل إلى بيروت المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي لمبادرة IMEC جيرار ميستراليه، والتقى عون في قصر بعبدا بحضور وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني.

خلال اللقاء، أعلن عون استعداد لبنان للانخراط في المبادرة بما يخدم مصالحه الوطنية ويعزز موقعه الاستراتيجي واللوجستي في المنطقة. ومن هناك بدأت رحلة شاقة هدفها تثبيت موقع لبنان في مشروع دولي تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية.

وتحوّل الاهتمام السياسي تدريجيًا إلى خطوات عملية. وبالتنسيق بين عون ورئيس الحكومة نواف سلام، تولى رسامني متابعة الملف، فيما عمل فريق لبناني على المسارات التقنية واللوجستية المطلوبة.

وفي 21 تموز 2026، جاءت محطة مرسيليا. فقد جدّد مرفأ بيروت ومرفأ مرسيليا- فوس مذكرة التفاهم الموقعة أساسًا عام 2022 لمدة ثلاث سنوات، فاتحين مرحلة جديدة من التعاون تشمل التطوير التجاري والتعاون التقني والابتكار والتحول في مجال الطاقة، بما يعزز موقع بيروت على المتوسط وعلاقته بأحد أهم المرافئ الفرنسية.

ومن مرسيليا انتقلت الرحلة إلى نيودلهي. 

ففي 6 تشرين الأول 2026، وقّع مرفآ بيروت وطرابلس في العاصمة الهندية الإعلان المشترك لإطلاق "نادي موانئ الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا" IMEC Ports Club، في محطة يمكن اعتبارها تاريخية للمرافئ اللبنانية.

ومثّل مرفأ بيروت في التوقيع رئيس مجلس الإدارة المدير العام مروان النفّي، ومرفأ طرابلس رئيس مجلس الإدارة إسكندر بندلي، وضمّ الوفد اللبناني مسؤولين عن هيئة أوجيرو وقطاع البترول، إضافة إلى مستشار رئيس الجمهورية العميد الركن المتقاعد أنطوان منصور، وممثل رئيس الحكومة ساطع أرناؤوط، في إشارة إلى أن المشروع يتجاوز حركة الحاويات ليشمل الاتصالات والطاقة والبنى التحتية.

واعتبر رئيس الجمهورية أن انضمام مرفأي بيروت وطرابلس إلى "نادي موانئ الممر الاقتصادي (IMEC)" وتوقيع اتفاقية في هذا الصدد في العاصمة الهندية نيودلهي، "يمثّل إنجازًا مؤسسيًا مهمًا للبنان، ونافذة حقيقية لتعزيز شراكاتنا وتطوير قطاعنا اللوجستي والتجاري وفق أحدث المعايير العالمية".

وأضاف: "كل خطوة تضع مؤسساتنا على مسار التكامل والعمل الفاعل، تشكل مكسبًا للبنان واقتصاده. ونحن مستمرون في بناء جسور التعاون وتفعيل دورنا بجهود أبنائنا ومؤسساتنا".

وختم الرئيس عون: "ما تم الاتفاق عليه في نيودلهي خطوة عملية جديدة تكرس حضور لبنان على خريطة التعاون الإقليمي والدولي".

ويهدف النادي إلى تعزيز التعاون بين الموانئ، وتبادل الخبرات، وتطوير مبادرات عملية ومشاريع تجريبية قابلة للتوسع، بما يسهم في تسهيل التجارة وتحسين سلاسل الإمداد.

ويشمل التعاون مجالات الربط اللوجستي، وتبسيط الإجراءات التجارية، والرقمنة وتبادل البيانات، إضافة إلى الطاقة وخفض الانبعاثات. ويقوم النادي على منصة مفتوحة للحوار والتنسيق، من دون إنشاء هيكل مؤسسي جديد.

أهمية الخطوة أنها تعيد طرح لبنان كحاجة تجارية ولوجستية إقليمية، لا كمجرد دولة تبحث عن دور. وإذا تُرجمت هذه الاتفاقات إلى استثمارات وربط فعلي، فإن موقع لبنان الاقتصادي قد يتحول مجدداً إلى عنصر قوة في موقعه السياسي.