مع استمرار أعمال الشغب والتخريب غير المسبوقة في المدارس والثانويات الفرنسية هذا الأسبوع واستعارها تحت ذريعة الاحتجاج على ظروف الدراسة، ردّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأحداث في فرنسا إلى الهجرة الجماعية الخارجة عن السيطرة و"الإسلام الذي يريد السيطرة على بلد كان عظيمًا ذات يوم"، مؤكدًا أن الأمر لا يتعلّق بالمدارس. يرى خبراء في الشأن الفرنسي أن تصريح الرئيس الجمهوري يُجسّد حقيقة تهرّبت منها النخب السياسية الفرنسية على مدى عقود، وهي أن الحكومات المتعاقبة فشلت في دمج الأعداد الهائلة من المهاجرين من دول العالم الثالث، خصوصًا المهاجرين من شمال أفريقيا، لأن هؤلاء يعتنقون ثقافة تتناقض تمامًا مع الثقافة الفرنسية. وبدلًا من الاعتراف بهذه الحقيقة، فضّلت النخب الفرنسية الإشادة بشكل ببغائي بـ "المجتمع المتعدّد الثقافات" وتصنيف الأشخاص الذين يدعون إلى وقف الهجرة من دول العالم الثالث والتعامل مع مشكلة المجتمعات غير المندمجة على أنهم متطرّفون وعنصريون.
تسبّبت سياسة الهروب إلى الأمام وإنكار الواقع خدمةً لمنطلقات النخب الفرنسية الأيديولوجية بزيادة أعداد المجتمعات غير المندمجة بشكل بات يصعب على السلطات السيطرة عليها، بينما تثقل تلك المجتمعات كاهل القطاع العام بسبب استفادتها بقدر كبير منه من دون أن تساهم في دفع الضرائب بالنسبة نفسها. أدّت تلك الأمور إلى الأوضاع التي تشهدها فرنسا اليوم، إذ يستغلّ عدد لا يُستهان به من المهاجرين من دول العالم الثالث وأولادهم أي فرصة للتعبير بعنف وغوغائية عن كرههم لفرنسا وعدم رضاهم عن الخدمات التي يحصلون عليها من الدولة المثقلة بعبئهم، رغم أنهم ما كانوا ليحلموا بالقدرة على الاحتجاج أو الحصول على خدمات من الدولة في بلادهم الأم.
في هذا الإطار، يلعب اليسار الفرنسي المتطرّف، ولا سيّما حزب "فرنسا الأبية"، دورًا مدمّرًا، إذ إنه يؤيّد استمرار الهجرة الجماعية من دول العالم الثالث لأنه يعلم أن النسبة الأكبر من هؤلاء وأولادهم ستصوّت له عندما ينالون الجنسية. كما أن هذا الحزب والناشطين التابعين له يلجأون إلى العنف دوريًّا من دون أن يُحاسبوا كما كان ليحاسب حزب يميني وناشطوه لو ارتكبوا الأفعال عينها. واتهم رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو أمس اليسار المتطرّف بالسعي إلى إثارة الفوضى من خلال الشغب الطلّابي قبل الانتخابات الرئاسية التي تُقام دورتها الأولى في نيسان المقبل، والتي يخوضها زعيم "فرنسا الأبية" جان لوك ميلانشون.
غير أن تكتيكات اليسار الفرنسي المتطرّف من شأنها أن تتسبّب بردّ فعل عكسي، إذ تُظهر استطلاعات الرأي تقدّم مرشحة اليمين الحازم للانتخابات الرئاسية مارين لوبن على منافسيها، ما يشي بأن نسبة مهمّة من الفرنسيين باتت تعي خطورة استمرار الأوضاع الحالية وضرورة إحداث تغييرات جذرية في مقاربة ملفات الهجرة واللجوء والمجتمعات غير المندمجة وحجم القطاع العام. ووعدت لوبن بأنها ستنفّذ وفورات في الإنفاق بقيمة 140 مليار يورو بحلول عام 2032 إذا انتُخبت، محذّرة من أن فرنسا "تتّجه نحو التخلّف عن سداد ديونها" ما لم يحصل تغيير.
لا ينحصر صعود اليمين الحازم في فرنسا فحسب، بل بات عدد كبير من جيرانها يشهد ذلك أيضًا لأنّ المشكلات التي ساهمت في صعود اليمين الفرنسي موجودة في معظم الدول الأوروبية. مثلًا، أصبح حزب "البديل من أجل ألمانيا" أوّل حزب من اليمين الحازم الألماني يفوز بمنصب رئيس برلمان إقليمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بعدما حصل الحزب على نحو 44 في المئة من الأصوات الشهر الماضي في ولاية ساكسونيا - أنهالت.
بالإضافة إلى التحدّيات الداخلية التي تواجه فرنسا وأوروبا، تسعى "القارة العجوز" إلى إعادة تثبيت الردع في مواجهة روسيا، في ظلّ تكثيف الأخيرة هجماتها الهجينة على حلفاء أوكرانيا، وتلويحها بإمكان اللجوء إلى الأسلحة النووية. انطلاقًا من ذلك، أطلقت فرنسا أمس للمرّة الأولى صاروخها الباليستي الجديد "أم 51.3" القادر على حمل رؤوس نووية من غواصة تعمل بالطاقة النووية. كما منح البرلمان الليتواني موافقته المبدئية على خطة لتعديل الحظر المفروض على استضافة أسلحة نووية على أراضي البلاد.